الثلاثاء 20 فبراير 2018

شبح الحرية.. والفردوس المفقود





 قبل سنوات قليلة، كان السوريون يتباهون بامتلاكهم الأمان. ولم يتخيلوا يوماً أنهم سيدفعون كل هذا القتل والدمار والنزوح والألم، ثمناً لثورةٍ انطلقت بصرخاتهم التائقة إلى الحرية، وصوت الإنسان المقهور في أعماقهم، لتمثل منعطفاً حاسماً في حياتهم، عندما أظهروا شجاعة غير مسبوقة، بأن يعروا واقعهم، ويتحدوا مشاعر الخوف المزمن الذي استبد طويلاً بقلوبهم وأرواحهم، وحاولوا عبثاً تزييفه بتسميته أماناً.

اليوم تبدل المشهد، ليصبح أكثر تعقيداً بتعدد أطراف الصراع، وتفنن كل منها بالعنف والوحشية، بينما يبدو السوريون أو على الأقل قسم كبير منهم، أشد يأساً من أي وقت مضى، ومفتقرين للأمل، خاصةً بعد أن سُلبت منهم ثورتهم، والأكثر من هذا سُلب منهم إيمانهم بالحرية، وبجدوى الموت من أجلها، وهم الذين صدحت حناجرهم بصوت وقلب واحد: "سوريا بدها حرية" و"الموت ولا المذلة".

لا ننكر أن ما شهده السوريون حتى الآن كاف ليدخل اليأس والألم إلى قلوب الكثيرين، ويسرق منهم حماسهم الأول، بل إن هول المعاناة والواقع الصادم بسورياليته، يدفع كل إنسان في سوريا وخارجها لكي يضع الحرب وربما الوجود كله بين قوسين. لكن المؤلم والمحبط ربما، هو أن تجد بعد هذا المخاض الطويل الذي عاشته سوريا، والضحايا الكثيرين الذين قدموا حياتهم قرباناً لهذه الحرب الطاحنة، من يتمنى لو أن شيئاً لم يحدث، بمعنى لو أن السوريين حافظوا على صمتهم وقناعتهم، وقبلوا أن يتابعوا حياتهم في ظل القهر والظلم الذي يعيشونه منذ زمن طويل.

ورغم مأساوية هذا الموقف، وما يصوره من مشاعر انهزامية، إلا أنه قابل للفهم، خاصةً بعد ثلاث سنوات لم يحصد فيها السوريون ممن حلموا بالتغيير نحو الأفضل، شيئاً يذكر من أحلامهم، ولم يجدوا من يأخذ بيدهم لتحقيق ولو جزء صغير منها، ولعل هذا يؤكد السؤال القديم الجديد الذي طرحه عالم النفس إيريك فروم في كتابه "الخوف من الحرية": هل يمكن أن تصبح الحرية عبئاً لدرجة ألا يستطيع أن يتحملها المرء ويحاول التخلص منها؟

يجيبنا فروم بقوله: طالما أن الفرد لم يقطع بعد الحبل السري الذي يربطه بالعالم الخارجي فإن الحرية تنقصه، هذا الحبل يعطي الفرد شعوراً بالانتماء وبأنه مؤسس جذرياً في مكان ما. التوحد مع الطبيعة والقبيلة والدين يمنح الفرد أماناً، قد يعاني من الجوع والقهر، لكنه لا يعاني أسوأ الآلام وهي الوحدة الكاملة والشك الكامل".

انطلاقاً مما سبق، فإن المعركة الحقيقية في سوريا، هي معركتنا داخل أنفسنا، إنها الثورة على الذات ضد الخوف. لقد كسر السوريون بثورتهم حاجز الخوف، ولم يعد الموت يخيفهم، ولا صوت الرصاص والصواريخ والقنابل بكل أنواعها، لكن الكثيرين عادوا اليوم إلى الخوف، والرغبة في الخضوع والحاجة للانتماء لقوة قادرة على حمايتهم، وبهذا هم ينشدون الأمان، (أمان دجاجات في قفص) لدى من سلبهم أبسط حقوقهم، بدلاً من الحرية.

ولعل هذا المقال يقدم تشخيصاً أكثر منه تكهن بإجابة أو حل للحرب في سوريا، فليس معنى الدفاع عن أحلام السوريين، عدم تفهم المخاوف التي سكنت مجدداً أرواح الكثيرين، وحنينهم إلى حياتهم السابقة، والثمن الكبير الذي دفعه الشعب السوري، ومازال يدفعه حتى هذه اللحظة، كما لا يعني أني لا أتمنى أن يرجع الأمان والسلام إلى سوريا، ولكني حين أسأل نفسي ماذا أريد كسورية؟ أجد أن في داخلي إجابة واحدة بسيطة، وهي أني لا أتمنى أن ترجع سوريا كما كانت، بل أن تصبح أفضل مما كانت عليه.

وإذا كانت أيام السوريين أصبحت مكتظةً بالمآسي، وقلوبهم مثخنة بالأحزان، إلا أن المشكلة الأكبر تكمن بضيق الخيارات المتاحة أمامهم، لتنحصر بين طرف سيء وآخر أشد سوءاً، وهو ما يرجح الكفة لصالح الطرف السيء، لدى أولئك الذين باتوا يحنون إلى حياتهم السابقة، وإلى سوريا كما عهدناها قبل الحرب، إلى الأمان المزيف الأول، الذي يرون فيه فردوسهم المفقود، مقارنةً بحياتهم اليوم، خاصةً بعد أن ظهر على الساحة، ذلك الوحش المرعب الجديد، المتمثل بتنظيم "داعش".

ولا يخفى على متابعي تطورات الأحداث في سوريا أن أصحاب الاتجاه المعتدل ممن حملوا لواء الثورة وأحلام الشعب السوري بالتغيير، هم الأشد تقهقراً وضياعاً اليوم، كونهم لم يمتلكوا رؤيةً واضحة للمستقبل، ومقدرة على ممارسة النقد الذاتي، لتشخيص أخطائهم وتجاوزها، إضافةً إلى عامل آخر لا يمكن إنكاره، وهو أن الآلة الإعلامية للنظام نجحت إلى حد كبير، بخلق وتكريس معطيات جديدة، وجهت دفة الصراع ليصل إلى هذه المرحلة من الفوضى والتعقيد، مدعومةً بدايةً بصمت وتجاهل المجتمع الدولي، ثم بتأييده لاحقاً لمشروع الحرب على الإرهاب، بعد أن أصبحت سوريا بؤرة لاستقطاب الجهاديين، وحاضنة لأشد التنظيمات الإرهابية خطراً في المنطقة، بل في العالم بأسره.

T+ T T-