الثلاثاء 22 مايو 2018

دي ميستورا والمستور





أخيراً، وبعد لأيٍ كما يُقال، نطق الدبلوماسي السويدي ـ الإيطالي ستافان دي ميستورا، مبعوث الأمم المتحدة الخاصّ بسوريا، وخليفة الأخضر الإبراهيمي وكوفي أنان: ألا تتذكرون سريبرنيتشا؟ فوكوفار؟ رواندا؟ هتف الرجل، محذراً "المجتمع الدولي" من مصير مماثل قد ينتظر عشرة آلاف مدني، تحاصرهم جحافل "داعش" في بلدة كوباني السورية.

تحذير في مكانه، لا ريب، إذْ لن تتورع ميليشيات ما يُسمى بـ"الدولة اللا- إسلامية" عن تكرار مجازر أبشع من تلك التي ارتكبها التنظيم الإرهابي في أمكنة أخرى، في سوريا والعراق على حدّ سواء. وأن ينطق دي ميستورا متأخراً، بكلام واضح العبارة، خير من بقائه قيد تأتأة دبلوماسية هي إلى الخرس والصمت أقرب. ومع ذلك، كان مدهشاً ـ بل يضيف الإهانة إلى جراح السوريين، كلهم، وليس أبناء كوباني وحدها ـ أنّ دي ميستورا لم يضرب مجزرة مدينة حماة مثلاً رابعاً، لكي لا يطالبه المرء بأن تكون السابقة السورية هي الأولى الجديرة بالاقتباس.

ففي شباط (فبراير) 1982، أرسل النظام السوري وحدات مدرّعة ومدفعية وقوّات إنزال مظلية، قامت بمحاصرة مدينة حماة طيلة 27 يوماً، فقصفتها بالمدفعية الثقيلة والدبابات، قبل اجتياحها واستباحتها. الحصيلة النسبية (إذْ لم تتضح إحصائيات المجزرة حتى الساعة) بلغت 30 إلى 40 ألف قتيل، و15 ألف مفقود لم يتمّ العثور عليهم حتى اليوم، وتهجير نحو 100 ألف من سكان المدينة، التي كانت حينذاك لا تعدّ أكثر من 400 ألف نسمة.

تلك كانت مجزرة تمّ ارتكابها بالدم البارد، عن سابق عمد وتصميم، وخُطّط لها ونُفّذت لكي تكون درساً أقصى في العنف والوحشية والردع، ومعركة فاصلة في حرب البقاء التي كان نظام حافظ الأسد يخوضها وفقاً للقواعد ذاتها التي يعتمدها اليوم وريثه بشار: الأرض المحروقة، والعقاب الجماعي للبشر والحجر والزرع والضرع، وتطبيق شعار "الأسد أو نحرق البلد". لهذا فإنّ جنرالات النظام، المكلفون بتلقين المدينة هذا الدرس تحديداً، مُنحوا تفويضاً مطلقاً باستخدام كلّ الأسلحة والنيران، وكلّ طرائق الردع، حتى إذا اقتضى الأمر تهديم أحياء بأكملها، بما في ذلك المساجد والكنائس والأسواق العامة والمشافي والمدارس.

وإذْ يتناسى دي مستورا هذه المجزرة، وهو المبعوث الأممي إلى سوريا وليس إلى البوسنة أو كرواتيا أو رواندا، أمر يجوز تصنيفه في باب التستر الدبلوماسي على جريمة حرب باتت معروفة ومكشوفة، وافتُضحت حقائقها الرهيبة وبعض تفاصيلها المروعة، بحيث بات السكوت عنها أقرب إلى التغطية عليها. في الآن ذاته، لا يبدو دي ميستورا كمَنْ يتذكر أنّ مجزرة سريبرينتشا تظلّ، أيضاً، تذكرة مأساوية بمآلات الخيارات الجيو ـ سياسية، الفضفاضة والقاصرة، التي استقرّت عليها الولايات المتحدة وحليفاتها الأوروبيات، في البلقان عموماً. ذلك أنّ السياقات التمهيدية التي أفضت إلى سريبرينتشا (سقوط "المناطق الآمنة"، وقصف سوق سراييفو حين اختلط الدم البشري بعصارة البندورة!)، ليست مختلفة كثيراً عن السياقات التي وضعت "داعش" على أعتاب كوباني: من مجازر الموصل وسنجار في العراق، إلى مجازر مطار الطبقة وريف حلب في سورية.

كذلك يتناسى دي ميستورا أنّ سريبرنيتشا لم تكن سوى مجزرة واحدة ضمن "مشروع صربي متكامل لتدمير المجتمع الصربي المسلم، اعتُمدت في تنفيذه أعمال القتل والاغتصاب والتهجير الوحشي"، كما أوضح مارتن شو، الأستاذ في جامعة ساسكس البريطانية وأحد أبرز مرجعيات البحث في مفهوم الإبادة الجماعية عبر التاريخ. وحين يشدّ الرحال إلى دمشق في الزيارة التالية، يتوجب تذكيره بأنّ حماة بدورها لم تكن مجزرة منفردة، بل سبقتها مجازر كثيرة منذ العام 1979، وأعقبتها مجازر أكثر، خاصة بعد انطلاقة الانتفاضة الشعبية السورية، في آذار (مارس) 2011.

مفيد، أخيراً، أن يحيله المرء إلى نيكولاس برنز، الدبلوماسي الأمريكي المخضرم، الذي كتب قبل أشهر قليلة فقط: "إذْ تتواصل أعمال القتل الوحشية، وتواصل أرقام النازحين في سورية بالتصاعد، ينبثق سؤال أساسي. متى ستعيش الولايات المتحدة والقوى الكونية الأخرى 'برهة سريبرنيتشا'، حين لا يعود في وسعها الوقوف ضمن صفوف المتفرجين، فتقرّر بالتالي أنّ عليها التحرّك أخيراً؟".

.. ويقرر المتسترون، بدورهم، أنّ الأوان قد آن للكفّ عن التستر!
T+ T T-