الخميس 22 فبراير 2018

فانتازيا إسرائيل وهوس أورشليم





في هذه الأيام، التي تشهد هوس إسرائيل، حكومة ومستوطنين، بحلم تهويد القدس المحتلة؛ تقفز إلى الذهن صيغة الفانتازيا بوصفها الوجهة المَرَضية الأخرى، ولعلها القصوى أيضاً، لذلك الهوس.

والفضل، في هذا الربط الفريد بين الدولة والهوس والفانتازيا، يعود إلى البريطانية جاكلين روز، الناقدة والأكاديمية اللامعة التي تشتغل منذ سنوات على الأسس النفسية للخطابات النسوية وما بعد الاستعمارية في الرواية والشعر. وفي هذه الحقول أصدرت عدداً من الأعمال المتميزة، بينها "حالة بيتر بان، أو استحالة قصص الأطفال"، و"الجنسانية في حقل الرؤيا"، و"سُكنى سيلفيا بلاث"، وسواها.

إنها يهودية أيضاً، وتنتمي إلى صفّ الأقلية التي تعترف بهذا القدر أو ذاك من حقوق الشعب الفلسطيني، وتعترض على هذا التفسير أو ذاك لمفهوم دولة إسرائيل بالمعاني الحقوقية والتاريخية والسياسية والأسطورية. وهو تفصيل ليس مجانياً، لأنه يدخل في صلب الإشكالية التي يثيرها كتابها "دول الفانتازيا"، الذي ينهض على سؤال عجيب بعض الشيء، ولكنه مشروع وشجاع: ما هو دور الفانتازيا في قيام الأمم وتأسيس الدول؟ هل ينبثق الاعتراض الإسرائيلي الجوهري على الدولة الفلسطينية من حقيقة خضوع الوجدان الجمعي اليهودي لفانتازيا الدولة اليهودية بالذات؟ وكيف نستطيع التماس الدليل على ذلك في كتابات أناس مثل الإسرائيليين يشعياهو ليبوفيتش (الفيلسوف الذي ينكر فكرة الدولة اليهودية) وعاموس عوز (الأديب الذي لا ينكرها وقاتل دفاعاً عنها، ولكنه ينكر حقها في تحقيق "اسرائيل الكبرى" على قاعدة الاحتلال)؛ والعربيين ـ الإسرائيليين إميل حبيبي (الذي كتب بالعربية)، وأنطون شماس (الذي كتب بالعبرية)؟

حجة الكتاب المركزية هي التالية: "لا سبيل إلى فهم الهويات والأقدار السياسية دون وضع الفانتازيا في سياقها التام"؛ ولهذا ترى روز أنّ فانتازيا التوق إلى الانتماء كانت في أساس فكرة الدولة اليهودية و"أرض اسرائيل"، وأنها على درجة من الاستحكام والشيوع والتكلّس بحيث يصعب أن تتأقلم مع تبدّل معطيات الحياة. اسرائيل لا تستطيع منح الفلسطينيين الحق في إقامة دولة مستقلة، ليس بسبب خطر وشيك داهم أو بعيد قادم، فحسب؛ بل لأن شحنة الفانتازيا المناهضة لهذه الإمكانية عالية في الوجدان اليهودي، بحيث يلوح أنّ الأسس العقلية والمعنوية والنفسية للدولة اليهودية سوف تنهار تماماً إذا قامت دولة فلسطينية واتخذت، بالتالي، صيغة فانتازيا موازية للفانتازيا اليهودية.

وفي شرح المصطلحين اللذين يشكلان عنوان الكتاب، تقول روز إنّ الفانتازيا، عموماً، هي ما يتوصّل إليه المرء حين يكون كلّ من العقل والمجتمع منشغليَن في رقابة أخرى؛ الأمر الذي يجعل الفانتازيا منتجة لمتعة خاصة غير مرتبطة بما هو مسموح أو ممكن. بهذا المعنى تظل الفانتازيا ممارسة فردية، وأياً كان محتواها فإنها عاجزة عن إلحاق الأذى بالعالم الخارجي، أو تبديله. الدولة، من جانب آخر وضمن المصطلح الغربي تحديداً، تستثير عدداً من المعاني التي تنطلق من الوجود الخارجي العام (السياسي والحقوقي) إلى الوجود الداخلي الفردي (النفسي والشعوري)؛ فتصير حالة، واستعارة، وحلماً، واستيهاماً للواقع.

وتستعير روز مفردات "عادل"، و"دائم" و"شامل"، وهي المفردات/ الكليشيهات التي تتكرر في أي حديث عن التسوية في الشرق الأوسط؛ لكي تتساءل: وأي معنى يتبقى في هذه، كلها، إذا كانت الفانتازيا قد حرّمت عبارة "حقوق الشعب الفلسطيني" طيلة السنوات التي سبقت عام 1974، حين ألقى ياسر عرفات كلمته الشهيرة أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة؟ أو كانت قد حظرت على الإسرائيليين استخدام صفة "الفلسطيني" حتى توقيع إعلان المبادىء عام 1993؟ ولكن روز تمضي أبعد من ذلك حين تناقش فكرة الحقّ بالمعنى الفلسفي والحقوقي والثقافي والتاريخي، وكيف خضعت مدلولاته لمؤثرات وضغوط الوثيقة الخفية بين الفانتازيا والدولة.

وغنيّ عن القول إنّ يهوداً مرضى من أمثال بنيامين نتانياهو هم آخر من تعنيهم أفكار يهودية عاقلة مثل روز، لأنهم رعاة الصياغات القصوى وضحاياها في الآن ذاته: إذا لم تبتلعهم فانتازيا الدولة، فإنّ هوس أورشليم كفيل بافتراسهم!

T+ T T-