السبت 24 فبراير 2018

قصتي المفضلة





أحب إعادة هذه القصة كثيراً، لا أمل من تكرارها أبداً، أُتبّلها- أحياناً- ببعض بهارات الخيال، فأنسبها إلى نفسي لأكون بطلها، أو بالأحرى ضحيتها، أو أنسبها إلى صديق وأضفي عليه بعض الصفات لتعزيز وصول الفكرة، أغير مكان وقوعها أحياناً- ولكنه دائماً في بلاد العرب السعيدة. أو أغير تاريخ وقوعها … وغير ذلك من أمور.

أعرف أن هذا (التتبيل) يثير حفيظة بعض الأصدقاء ممن يعتنقون النقل ويعتقدون في قدسية مباني النصوص، وليس معانيها.

لكنني- أبداً- لا أضيف إلى محاور القصة أو أنقص، ولا أتلاعب في معانيها، فهي - كما هي - في غاية التمام والكمال، ليست في الأصل تحتاج إلى شرح أو إيضاح، ولولا أن الإنسان جُبل على الملل والضجر إلى الحد الذي تفقد معه النصوص المعاني إذا تيبست المباني، لكنت اكتفيت بأصل المقال وأرحت -من عناء الحكي- البال.

يحكى أن بطل قصتنا رجل عادي، ارتبط ذات يوم بموعد عمل في منطقة من مناطق العاصمة اشتهرت بالزحام، فقرر - تفادياً لمشاكل البحث عن مكان لسيارته - أن يذهب في سيارة أجرة.

ركب الرجل السيارة، أخبر السائق بالعنوان، وانهمك في تهيئة ذاكرته لما يتطلبه الاجتماع.

لم يشغل باله بلحية السائق الطويلة، ورائحة البخور التي تعبق بها السيارة أو تمتمات الكاسيت وصرخاته، فقد اعتادت عيناه وأذناه على علامات (الدروشة) في الكثير من الأرجاء- كما أنه رجل لا تعنيه ألوان الناس ولا عقائدهم أو أذواقهم، ليس له عند أحد إلا ما تقتضيه أصول المعاملة وفق الأعراف والقوانين.

نهبت السيارةُ الشوارعَ الأولى من الطريق في دقائق، ثم بدأت المشكلة التي ترك بطل قصتنا سيارته من أجلها؛ الحركة البطيئة في الشارع جعلت السائق يبدأ في المداهنة، بدأت الشكوى من وقف الحال وكثرة العيال وانشغال البال، صديقنا المندمج في مراجعة معلوماته استعداداً للاجتماع لم يفطن لمخططات السائق- أو لم يأبه لها- متمسكاً بالدقائق الباقية من الزمن.

لما تبين للسائق أن لا فائدة من التلميح، انقلب فجأة إلى التصريح:

- لو كنت أعرف أن الشارع مزدحم هكذا لما كنت توقفت لك

كبداية، تجاهل صديقنا العبارة، على أمل تفادي نقاش لا لزوم له.

- في هذا الوقت كنت أنجزت مشوارين أو ثلاثة

وزنَ صديقنا الموقف وقرر في نفسه أن يزيد السائق مبلغاً عند الوصول، قدره بطريقته المنطقية (مخاطر غير محسوبة جدّت بعد الاتفاق)، لكنه لم يرد أن يفسد على نفسه الموقف فلاذ بالصمت.

- هذه التوصيلة لا توازي همها يا أستاذ

وقبل أن ينطق الأستاذ، فوجئ بالسائق يوقف السيارة على جانب الطريق، ويطلب منه النزول لأنه سوف يعود عبر الشوارع الجانبية هرباً من الزحام.

رفض صديقنا النزول، تشبث بحقه في توصيلة متفقٍ عليها، شرح للسائق أن الاتفاق الذي تم بينهما - وإن كان شفوياً- فهو في حكم العقد، والعقد شريعة المتعاقدين.

نفض السائق رأسه كأنما ثقلت عليه الكلمات، استحلف صديقنا برضا الله عليه أن ينزل، عبثاً حاول صديقنا أن يشرح له أن رضا الله في الوفاء بالعهد والوعد، وليس في هذا الغدر الذي قد يعود عليه بضياع موعده أو -على أفضل تقدير- الوصول متأخراً فاقداً أناقته اللازمة للعمل بسبب المشي لمسافة طويلة في الجو الحار.

طال الجدل بينهما إلى حد كبير، ولكن صديقنا لم يتحرك من مكانه قيد أنملة - إذا كانت الأنملة هي أصغر وحدة يمكن استخدامها في هذا الموقف، فاضطر السائق أن يعود بسيارته إلى الطريق وقد لون الغضبُ وجهه بألوان تستعصي على الوصف، ولم يعد يملك سوى كلمات يرددها: "هذا لا يرضي الله ورسوله".

ظل يردد هذه الكلمات إلى الحد الذي اضطر معه صديقنا إلى مقاطعته متسائلاً:

- وما دخل الله ورسوله في اتفاقنا الآن! لا تقحمهما في الأمر من فضلك

هنا تحللت ألوان وجه السائق وتركزت في لون من درجات القرمزي عندما يستخدمه ماسحو الأحذية بالخطأ على حذاء أسود. وتمتم لنفسه بصوت كالفحيح سمعه صديقنا:

- لقد عرفت ذلك من البداية

- وما الذي عرفته!

- عرفت إنك كافر، والعياذ بالله

لم يعرف صديقنا ماذا عليه أن يفعل، لاذ بصمت لم يفهم من أين هبط عليه.

مضت السيارة في طريقها على مهل إلى أن وصلت إلى المكان المقصود، نزل صديقنا، أخرج مبلغاً يفوق المطلوب بقدر لا بأس به، مد يده ومنحه للسائق وهو يفكر في كلمتين يهدئ بهما خاطر الرجل الغاضب.

لم يمهله السائق، اختطف النقود من بين يديه وفحصها سريعاً، وقبل أن يلقي بها في التابلوه أمامه، كان قد تحرك بالسيارة ممدداً رقبته برأسه خارج الشباك، ملوحاً بيده مشيراً إلى صديقنا الواقف على الرصيف غارقاً في الذهول.

بينما كانت السيارة تجتهد في الاندماج وسط زحام الطريق، كان صوت السائق ما زال يردد صارخاً: كااااااافر …. كااااااافر.
T+ T T-