الخميس 22 فبراير 2018

أمريكا وكوبا: الأيام دُوَل





مثلما قرّر الإسكندر الأكبر، ذات يوم، أنّ أفضل الطرق لحلّ عقدة العربة الغوردية هو قطعها بالسيف، كما تقول الحكاية؛ فإنّ الرئيس الأمريكي باراك أوباما تجاسر على ما لم يتجاسر فيه عشر من رؤساء أمريكا قبله، فقرّر قطع تفكيك العلاقات مع كوبا... عن طريق بتر 53 عاماً من "سياسة عفا عليها الزمن".

ورغم الحيثيات الكثيرة التي ساقها أوباما في تبرير قراره، وفي دغدغة معارضيه، خاصة ضمن صفوف الحزب الجمهوري والجالية الكوبية في أمريكا؛ فإنّ الاعتبار الأكبر الذي كان باعث هذا القرار، "التاريخي" بالفعل، هو بالضبط هذا: إدخال أوباما إلى حوليات التاريخ بصفة أخرى دراماتيكة، تُضاف إلى كونه أوّل رئيس أفرو ـ أمريكي، وهي أنه قاطع تلك العقدة المستعصية.

والحال أنّ سجلّ أوباما، على صعيد السياسة الخارجية للولايات المتحدة تحديداً، ليس وضّاءً، وليس حافلاً؛ على الأقلّ بمعنى القرارات والإنجازات، وكذلك الحروب بالطبع، الكفيلة بإغراء المؤرّخ الشعبي، أو بالأحرى: الشعبوي، الذي اعتاد المواطن الأمريكي العادي أن يركن إليه عند تثمين رؤساء أمريكا. ولا عجب، رغم حضور المفارقة، أن يكون الرئيس الأمريكي الأسبق جون ف. كنيدي هو مهندس محاولة غزو كوبا، مغامرة "خليج الخنازير" سنة 1961؛ وأن يكون، في آن معاً، ملهم أوباما... المبادر إلى وفاق أمريكي ـ كوبي.

غني عن القول إنّ العالم تغيّر كثيراً منذ تلك المغامرة، وأزمة الصواريخ، و"الحرب الباردة" عموماً؛ بل إن بعض المتغيرات أخذت صيغة انقلابات كبرى وهزات عارمة: اضمحلال المعسكر الاشتراكي، تفكك الإمبراطورية السوفييتية، التبدّل الجذري الذي طرأ على مفهوم العالم الثالث وحركات التحرر الوطني وأساليب النضال ضد الإمبريالية، اعتماد أمريكا مفهوم الغزو العسكري بوصفه الضربة الوقائية الأمثل. العالم تغيّر كثيراً، ولكن كوبا، تحت حكم آل كاسترو تحديداً، لم تتغيّر إلا قليلاً.

صحيح أنّ الخطاب الكوبي، العقائدي والرسمي، تسللت إليه مفردات الاستثمار الحرّ، واقتصاد السوق، والخصخصة الجزئية؛ وتراجع قاموسه الإيديولوجي اللاهب إلى حدود لا سابق لها، في الانضباط والرزانة و"الانفتاح". إلا أنّ كوبا بقيت مستعصية على التبدّل الجوهري، في ميدان الحرّيات العامة والسياسية والنقابية، وخاصة الرأي والصحافة، وحقوق الإنسان عموماً؛ كما ظلت على عنادها في التشبث بطراز من "الشيوعية" لم يعد جامداً وهامداً فحسب، بل خرج من التاريخ بصفة شبه نامة، وبات أقرب إلى شعار مُفرَغ من أيّ معنى.

من جانب آخر، كانت الخطوط الكبرى لإنجازات الثورة الكوبية (مثل محو الأمية، والإصلاح الزراعي، وتطوير صناعة السكر) قد أعطت أكلها، بل طفحت وزادت. وحجم المبادلات الكوبية مع أوروبا الغربية يبرهن على حيوية مدهشة، وعلى مرونة متقدمة، إذا ما قيس بما آلت إليه الاقتصادات الأخرى للدول الاشتراكية سابقاً. وإذ يؤخذ بعين الاعتبار حجم المصاعب الخارجية التي تعرضت لها كوبا، من حصار قديم أيام دوايت أيزنهاور وكنيدي، إلى أحدث أطوار إحكام الخناق على يد بيل كلينتون وجورج بوش؛ فإنّ حصيلة البلد، التنموية خاصة، تخلّف انطباعات تستحق التأمل حقاً.

وعلى الصعيد الإيديولوجي لا يلوح أنّ كوبا خسرت الكثير بعد سقوط الشيوعية السوفييتية، لأنّ الكاستروية كانت أصلاً حالة وسيطة بين اللينينية الرومانسية، والماوية الثقافية، والبلانكية المعقلنة. وكانت علاقات "المعسكر الراسمالي" مع الصين، رفيقة كوبا في العقيدة، ماثلة أمام الأعين في مشهدين متناقضين ـ متكاملين: الرأسماليات الغربية، وهي تتسابق على خطب ودّ الصين وتوقيع العقود مع اقتصادها الذي يتنامى مثل تنّين؛ والرأسماليات، ذاتها، وهي تتملص من أعباء العلاقة مع روسيا فلاديمير بوتينـ واقتصادها الذي يترنح، بل يُعاقَب اليوم ويُحاصَر!

وطيلة عقود الحصار لم تكن كوبا بحاجة إلى كثير من المهارات التكتيكية، لكي تنفذ من ثغور المصالح المتضاربة بين الولايات المتحدة وأوروبا الغربية؛ أو المناورة على فصول الشدّ والجذب بين قرارات الكونغرس الأمريكي من جهة، وعقود الشركات الأوروبية الطامحة إلى الاستثمار في كوبا من جهة ثانية. ولعلّ الأشهر القادمة سوف تثبت أنّ تطبيع العلاقات الأمريكية ـ الكوبية كان محض تتويج رسمي معلَن، لحال كانت على الأرض تترسخ كأمر واقع؛ احتاج أخيراً إلى قرار "تاريخي"، يقرّ ببساطة أنّ الأيام دُوَل!

T+ T T-