الأحد 25 فبراير 2018

جريمة باريس والـ"لكن" البليغة





تعليقاً على المجزرة الإرهابية البشعة التي استهدفت صحافيي "شارلي إيبدو"، في باريس، الأسبوع الماضي؛ كتب المخرج السينمائي الفرنسي لوك بيسون رسالة مفتوحة إلى شباب فرنسا المسلمين؛ أخال، شخصياً، أنّ طرازَين من المعلّقين العرب لن يرغبوا في كتابة مثلها، أو بالأحرى: لن يتجاسروا على ذلك، حتى إذا رغبوا.

الطراز الأوّل هو ذاك المعلّق الذي أدمن، وأتقن جيداً، الإمساك بالعصا من منتصفها؛ فقرأنا له آراء سطحية مسطحة، معلّبة أو تكاد، حول التفريق بين حرّية التعبير والإساءة إلى الرسول الكريم، وبين الإسلام السمح والإرهاب الدخيل على الدين؛ ثمّ المقارنة، بالطبع، بين جرأة الإعلام الغربي على النيل من المقدسات الإسلامية، وجبن الإعلام ذاته إزاء المقدسات اليهودية. وهذا معلّق سوف يدين مجزرة باريس، لا ريب، بل قد يذرف الدموع مدرارة على الضحايا "الزملاء"؛ ثمّ يتباكى، بمقادير أكبر غالباً، على انتهاك حرمة الرموز الروحية. لكنك لن تفلح في العثور، عنده، على مفردة واحدة يمكن أن تثير غضب فقهاء التشدد، أو تستفزّ أئمة التكفير؛ حتى من زاوية الإتيان على كلمة حقّ يُراد لها الباطل (كأنْ يقول، مثلاً، إنّ الرسول الكريم براء من هؤلاء "المدافعين" عنه؛ أو يعلن أنه لا يستسيغ الرسومات الكاريكاتورية، ويجدها سخيفة وجاهلة وتنميطية واستفزازية، لكنه يحفظ للرسام حقه في التعبير، حتى ضمن هوامش الزلل والخطل).

الطراز الثاني هو ذاك المعلّق الذي يأنس في نفسه شحنات ليبرالية عارمة، جارفة وكاسحة وماحقة، لا تدفعه إلى إدانة جريمة باريس دون قيد أو شرط، كما فعل الكثيرون سواه في الواقع؛ أو إلصاق لافتة "أنا شارلي" على صدره بفخار مشبوب، أسوة بملايين الآخرين أيضاً، فحسب؛ بل تخوّله، ذاتياً، ترخيصاً بتأثيم أية إدانة للجريمة يمكن أن تسعى إلى البحث في جذورها التربوية، ودوافعها العقائدية، أو تقترن بـ".. ولكن"، لأنّ هذه الـ"لكن" تعني التواطؤ مع الإرهاب، وتبريره، وتشجيعه! الطريف، والمضحك قبل أن يكون مأساوياً، هو أنك ستجد في تعليقه الدموع المدرارة ذاتها، على قداسة حرّية التعبير، وتخلّف العقل العربي القاصر عن إدراك هذا الحقّ، والفارق بين مقدسات قابلة للنقد وأخرى ليست كذلك لأسباب قانونية (!). ولكنك، كما كانت عليه حالك مع النموذج الأوّل، عاجز عن العثور في مرافعاته على مفردة واحدة يمكن أن تغضب فقهاء الليبرالية، أو تستفزّ أئمة جلد الذات؛ حتى ـ هنا ايضاً، وفي المقابل ـ من زاوية حقّ يُراد به الباطل (كأن يغوص، قليلاً، في جذور الإرهاب التي ليست ظاهرة على السطح، بل ضاربة في الأعماق؛ أو أن يتبصر في سياقات اجتماعية صرفة، وليست دينية خالصة، تكمن في خلفية الجريمة).

والحال أنّ بيسون بدأ من هذا الاعتبار تحديداً، وليس من أيّ معطى جاهز مسبق الصنع، يختزل الإرهاب في قوالب ومقولات وأنماط، ولا يقبل بأيّ ".. لكن" تعقب الإدانة. "لنبدأ من البداية. ما المجتمع الذي نعرضه عليك"، يتساءل بيسون، في السطور الأولى من رسالته، مطلقاً صفة "أخي" على المسلم الفرنسي الشاب. فرنسا، يتابع الرجل، مجتمع قائم على المال، والربح، والتمييز والعنصرية. في بعض الضواحي، تبلغ نسبة البطالة 50% لمّن هم تحت سنّ العشرين. أنت مهمّش بسبب من لون بشرتك أو اسمك الأوّل. تُفتّش 10 مرّات في اليوم، وتعيش في مساكن مزدحمة، ولا أحد يمثّلك. مَن في وسعه العيش في ظروف كهذه؟" يسأل بيسون.

ذلك جذر أوّل، إذاً، بل هو مفردة ".. لكن" أولى لا غنى عنها؛ كي يمتلك بيسون الحقّ في الذهاب أبعد، وأعمق، لجهة نبش الجذور الأخرى للإرهاب: الكلاشنيكوف يكلّف 250 يورو، وأمّا القلم فلا يكلّف أكثر من 2 يورو، فلماذا لا تقبض على مصيرك بالقلم بدلاً من البندقية، خاصة وأنّ الديمقراطية تمنحك أدوات نبيلة لصياغة أقدارك، أنت الذي تعلم أنّ الإرهاب منهزم حتماً في نهاية المطاف؟ لماذا تسمح لوعّاظ، يتاجرون بدينك، أن يمارسوا عليك السلطة بدل أن تقبض على السلطة بنفسك ولنفسك؟ وتذكّر أنّ القاتلَين "ليسا في أسوأ الأحوال سوى فردين ضعيفَيْ العقل، أهملهما المجتمع واستغلهما واعظ باع لهما الخلود"...

هي، إذاً، "لكن" بليغة ونزيهة وبنّاءة؛ لعلّ شبّان العالم العربي بحاجة ماسة إليها، من معلّقين عرب يمكن أن يقتدوا بهذا الفرنسي الشجاع.
T+ T T-