الثلاثاء 22 مايو 2018

لا مَحيص.. على المؤسسات الدينية أن تتفنن





"ـ لا محيص يا بُني من حضور العروس
ـ برضو بيقوللي لا محيص",

من لا يتذكر أين سمع هذا الحوار اللطيف، فعليه أن يستحضر شخصي "لمعي" التي أداها الفنان الجميل عبد المنعم إبراهيم في فيلم "آه من حواء"، وهو يحاول استعجال المأذون الشرعي لعقد القران، خوفًا من حدوث ما يعوق إتمام الزواج.

هذه الصورة النمطية لشخصية المأذون في السينما المصرية ليست نابعة من فراغ، كما أنها ليست وسيلة لتسخيف الدين أو التقليل من شأنه، كما يرى أصحاب نظرية المؤامرة، ولكنها طريقة الفنون في الدخول إلى الشخصيات من أبرز سماتها.

فطالما كانت سمة رجل الدين الرسمي ترديد العبارات باعتبارها قوانين جازمة لازمة لا تقبل النقاش، فلابد وأن تقدمه السينما بهذه الصورة!

إذن الخطأ ليس خطأ لا السينما ولا الأدب ولا بقية الفنون.

كم من مرة ثار "رجال الدين"، أو من ظنوا أنهم يمثلون الدين، واعترضوا، واتهموا السينما والفنون بالتآمر والعمالة والحرب على الإسلام؟

ولكن ماذا فعلت ثوراتهم واعتراضاتهم، أكثر من تقديم مواد جديدة غازلت السينمائيين والكتّاب فأضافوها إلى الشخصية النمطية وبررت لهم تقديمها بهذا الشكل!

الخطأ كذلك ليس خطأ الدين، إنما هو خطأ المناهج والطرق المستخدمة في تعليم هذا الدين، فمعظم علماء الدين تقليديون، ليس لأن الدين يشترط التقليدية، لكن لأنهم -منذ نعومة أظافرهم- يتعلمون بطريقة الاستنساخ، في محاولة لتخريج أكبر عدد من المطابقين للنمط المطلوب، الذي هو محاولة لتنفيذ النموذج الأعلى، كما يراه البعض.

ولا شك في أن هذا النموذج، حتى لو كان محترماً وراقياً- فإنه يظل في حاجة إلى إعادة تقديم نفسه وتجديدها وفقاً لمقتضيات العصر وتطوراته.

كان المتوقع أن تستجيب المؤسسات الدينية بإيجابية، لرسائل النقد من السينما وأشكال الفنون المختلفة، فيما يشبه تساؤل الإدارة الأمريكية الذي كرست ميزانية للإجابة عليه: لماذا يكرهوننا؟

ما الذي منع المؤسسات الدينية من طرح سؤال: لماذا ينفرون منا؟

لم تطرح أي مؤسسة دينية هذا السؤال، وبدلًا منه، اعتبر الكثيرون رسائل الفنون حرباً على الإسلام، لأنهم لم يعتادوا الفصل بين ذواتهم وبين الدين، تكبّروا تكبر الموقن بأهمية دوره، وهو أمر لا خلاف عليه، لأن الخلاف لم يكن على الدور إنما على الطريقة والشكل والكيفية التي يؤدى بها هذا الدور.

والنتيجة الحتمية كانت إمعاناً في تكريس الصورة التي أصر الفن -والمجتمع معه ـ على اعتبارها جامدة ونمطية، وظل رجل الدين الرسمي يغذي خيال السينما والفنون بما يساهم في تعزيز تلك الصورة، إلى أن سادت وتسيدت.

ولكن هل تقف مسؤولية المؤسسات الدينية عند هذا الحد، مجرد تكريس الصورة النمطية؟

في رأيي، الإجابة هي لا؛ فثمة نتائج أخرى خطيرة ترتبت على عدم طرح هذا التساؤل البسيط في الوقت المناسب؟

أحد هذه النتائج ظهور حركة الدعاة الجدد، الذين التقطوا رسائل الفن، واستشعروا نبض المجتمع، وامتلكوا القدر الكافي من المرونة – الخالية في أحيان كثيرة من العلم - فنجحوا واشتهروا وتغلغلوا في بيوت الناس ونفوسهم، وباتوا من أبرز قادة الرأي العام ومحركي الجماهير.

من النتائج الخطيرة أيضاً، إخلاء الساحة للجماعات والجمعيات والتشكيلات التي تتنافس على قيادة الجماهير وتشكيل الرأي العام تحت راية الدين، بداية من سماحة المتصوفة وانعزالهم، وصولاً إلى مكفّري المجتمع، ورافعي رايات الجهاد، الذين زادت أعدادهم وتمددت صلاحياتهم إلى حد الوصول إلى المؤسسات الدينية نفسها.

فهل تتحمل السينما والفنون مسؤولية ذلك؟

في رأيي، المؤسسات الدينية هي المسؤول الأول- وربما الوحيد- عن تلك النتائج، لأنها عزلت نفسها عن الرأي العام، وفسّرت رسائلَ النقد في ظل نظريات المؤامرة، فلم تحسن إدارة رسالتها، ظناً منها بأن رقي المضمون يُغني عن التجويد في الشكل، وهو خطأ فادح، يعرف العاملون في مجالات التواصل أنه الخطأ القاتل.

نسيت المؤسسات الدينية أن رسالتها في الأساس رسالة إعلامية، لأن كل رسالة تستهدف التأثير في الرأي العام وتشكيل قناعاته أو تغيير رؤاه أو تطويرها، هي رسالة إعلامية.

وهدف العملية الإعلامية الوحيد يمكن تلخيصه - بعيداً عن التقعر، في كلمات قليلة: جذب الناس، والمحافظة عليهم.

كل ما شهدته أشكال الرسائل الإعلامية في العالم من اهتمام وتطوير كان نابعاً – في الأساس- من الحرص على أن تكون جذابة ومقبولة ومؤثرة، وقادرة على تحقيق علاقة مستدامة بينها وبين الجمهور سواء كانوا من القراء أو المستمعين أو المشاهدين.

والوسيلة الإعلامية الجماهيرية الناجحة هي القادرة على "التأثر" بالرأي العام بهدف خلق التأثير فيه "فلو أن الأشكال الاتصالية الإعلامية الجماهيرية لم تكن متمشية مع أذواق الرأي العام، فلن يتعرض لها، وبالتالي لن يتعرض لمضمونها، ولن يتأثر بها، وبهذا تكون المهمة الإعلامية قد فشلت منذ بدايتها" كما يقول الدكتور محمد جاسم فتحي.

يقول نابليون بونابرت: "الأزهر، هو المركز الوحيد الذي يستطيع أن يضرب للناس المثل فيقتدي به الرأي العام في العالم الإسلامي"، ولا شك إطلاقاً في أن هذه العبارة كانت صحيحة في وقتها.

ولا شك أيضاً في أن سبب صحتها أن الأزهر- في ذلك الوقت- كان يقدم رسائله في الأشكال المناسبة لذائقة الجماهير. ولكنه توقف – فيما يبدو- عند هذه الأشكال، ولم يعد "يتفنن" في إنتاج أشكال تحفظ له هذا الحضور الذي وصفه نابليون بونابرت وغيره الكثيرون في فترات زمنية مختلفة.

في الحقيقة، فإن هذا "التفنن" ليس دعوتي الشخصية، حتى لا يتهمني أحد بالتفنن في الدين، إنما هو دعوة أطلقها أحد علماء الأزهر الأجلاء، وهو الدكتور أحمد الشرباصي، الذي كان أميناً للجنة الفتوى بالأزهر عام 1957م، والذي خاض بنفسه مغامرة الكتابة السينمائية من شدة اقتناعه بأفكاره.

يقول الشيخ الشرباصي، رحمه الله: "على عالم الدين أن يتفنن، وعلى رجل الفن أن يتدين".

الخلاصة، على المؤسسات الدينية أن تدري، قبل فوات الأوان، أنها صاحبة رسالة إعلامية، وأن عليها التفنن في جعلها مقبولة وجذابة لكي تكون مؤثرة، مستعينة في ذلك بكل ما جاد به الزمان من أعاجيب وبدع، لأنه، بالتأكيد، ليس كل بدعة ضلالة.

و...إياك أن تقول لي "لا محيص".
T+ T T-