الأحد 19 أغسطس 2018

إلى الهامسين في آذان أهل القتيل





رضيع صغير يحبو للمرة الأولى على الأرض، وعيون من حوله معلقة بيديه الصغيرتين، وقلوبهم تخفق لطراوتهما، في لحظة نقاء أسطورية، ليس نقاء الرضيع فحسب بل نقاء عيون من حوله، لحظة احتفال بمعجزة الطهارة الأولى.

هاتان اليدان، نفسهما، بعد عشرين عاماً تُشبكان تحت غطاء أبيض، وسط عويل وصيحات ألم تشق الصخور وعيون متفجرة بالكراهية قادرة على إشعال أرض كاملة بنارها.. من منكم يتمنى أن يكون أب أو أم أو أخت أو أخ هذا المسجّى؟

لا أحد، لا أحد، حتى أشد الناس حقداً وشراً..

ولكن هل تعلمون أن ليس منكم من سينجو من هذا العويل أو من الخوف من هذا العويل، عندما ستشتعل الأرض، وتقفل كل النوافذ، وتسود العتمة، ستموتون في كهوفكم التي صنعتموها لتختبئوا فيها من عويل أمهات أخريات، ومن نار عيون أخرى. هل تعتقدون أنكم لو همستم في أذن أم أو أب أو أخ أو أخت بأنكم ستنتقمون لهذا "المسجّى"، بداعي إنسانيتكم، وبداعي "دينكم" الذي لا يقبل أن يُقتل أهله، ألا تعتقدون أن هناك من سيهمس مثلكم في آذان أمهات أخريات، وأيضاً بداعي "الإنسانية" نفسها وبداعي الدفاع عن "دين" آخر لا يجب أن يُقتل أهله.

وهل تعتقدون أنتم جميعاً، أيها الهامسون في أذان أهالي القتلى، أنكم ستنجون من النار التي تشعلونها، وأن أطفالكم الذين يحْبون اليوم، لن يُسجّوا يوماً تحت أغطية بيضاء وسط عويل أعلى، وعيون أكثر حقداً.. من ستلومون يومها، شفاهكم التي همست أم شفاه الآخرين؟

أيها الهامسون، ألا تعلمون أنكم أنتم من قتل هذا المسجّى، وستكونون أنتم "قاتلي" أبناءكم، وسبباً لخراب هذه الأرض ولعذابات ستلعن أيامكم؟

أيها الهامسون، توقفوا عن العويل فوق جثث القتلى، افتحوا نوافذ بيوتكم، ونوافذ بيوت القتلى، فلو بقيتم في كهوفكم المعتمة، لن تدركوا أن في الخارج حياة وضوء وأن في الخارج أرضاً صنعها الله، وخلق فيها الماء والريح من أجلكم.

أيها الهامسون عودوا لإنسانيتكم، عودوا للحظة حَبو أطفالكم..
T+ T T-