الثلاثاء 22 مايو 2018

حرب ا لأديان في فرنسا: انتحار بطيء تواصل قرنين من الزمن

لوحة مذبحة ليلة سانت بارتولوميو الشهيرة للرسام فرانسوا دي بوا في القرن السادس عشر( أرشيف)
لوحة مذبحة ليلة سانت بارتولوميو الشهيرة للرسام فرانسوا دي بوا في القرن السادس عشر( أرشيف)
على امتداد مائة سنة تقريباً من البناء الوطني، وتعزيز الهوية التي تشكلت قبل قرون، رغم ادعاء البعض والقول بخصوصية التجربة الثقافية والتاريخية في المنطقة العربية، في محاولة لطمس الاختلافات الإيجابية والثراء الذي يُشكله تباين الوعي الذاتي والجماعي، بما لا يهدم البناء الوطني، شرط الانخراط في مشروع يُصرف مضارعها في اتجاه جملة تاريخية متناسقة، لا كما يُحيلنا "لماض" مظلم فينا كما في تاريخ الشعوب والحضارات، والمُهيمن على هذه الرقعة العربية بما يُوحي بأن التاريخ يكاد يرتد على أعقابه.

ولأن التاريخ أفضل من يستطلع المستقبل، أو كما يقول ابن خلدون، مبتدع علمي التاريخ والاجتماع، في كتابه الشهير المقدمة إن "التاريخ، في ظاهره لا يزيد على الإخبار، وفي باطنه نظر وتحقيق" والنظر لا يعني عند ابن خلدون المشاهدة أو المتابعة السلبية بقدر ما يعني القراءة والقدرة على فكً الرموز واستخلاص العبر والدروس.

إن المتأمل في منطقتنا اليوم يدرك ان الحرائق التي استعرت فيها، بلغت درجةً من الخطورة، بما يُهدّد بنسف كل المكاسب التي تحققت على امتداد سنوات طويلة من الصبر والتضحية والبذل.

 ولكن المثير في الأمر أنه نكتشف التشابه بقراءة تاريخ بعض الشعوب، خاصة منها القريبة منا والتي كلما اشتدت الأزمات عليها وضغطت وجدت في تاريخها نفسه ما يُحصنها من السقوط في دوامة إعادة إنتاج الدمار الذاتي، وطاحونة الأخطاء المتكررة.

طائفية أوروبية
في نهاية القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع، دخلت أوروبا منعرجاً خطيراً بعد أن تردت في مستنقع خطير، بسبب ما أصبح يُعرف بالفساد الكنسي الذي تلا آخر الحروب الصليبية في الشرق الأوسط، في الحملة الصليبية التاسعة الفاشلة التي قادها ملك انجلترا إدوارد الأول في 1272، التي أعقبت بدورها الحملة الصليبية الثامنة، التي انتهت بهزيمة الملك الفرنسي هنري التاسع وموته تحت أسوار مدينة تونس في السنة نفسها، ارتدت القوات الصليبية وانكفأت على نفسها داخل القارة الأوروبية، لتستمر في حروبها الصليبية داخل أوروبا، وأشهرها تلك الحروب التي لم تختلف في فظاعاتها عن الحروب  في فلسطين ولبنان وسوريا ومصر وتونس، والتي دفعت فيها شعوب كثيرة في شرق ووسط أوروبا مثل المنطقة التي تعرف باسم فارنا وكلياكرا، التي تشكل اليوم مناطق تتوزع بين بلغاريا وهنغاريا أو فارنا الواقعة في تشيكيا، والتي كانت تهدف إلى تحويل السكان في هذه المناطق الشاسعة إلى المسيحية من جهة، ودحر الحضور العثماني المتعاظم في المنطقة، من جهة أخرى، لتستمر الحروب وما رافقها من مذابح ضد البرابرة وضد أصناف من المسيحيين والمسلمين العثمانيين في حروب وغارات ومناوشات تواصلت حتى بداية القرن الخامس عشر في سنة 1445.

عقيدة رسمية
وبعد هزيمة القوات المسيحية في واقعة فارنا، ضد مراد الثاني، دخلت أوروبا بقيادة الكنيسة الكاثوليكية، مرحلة نكوص جديدة، ولم تعرف صفحة دامية أخرى إلا في حدود 1492 مع ما يعرف بحروب الاسترداد بعد سقوط غرناطة آخر دولة عربية في الأندلس، لتخلف فترة حالكة أخرى في تاريخ أوروبا بعد انتشار محاكم التفتيش في إسبانيا التي طالت العرب من بقايا المسلمين واليهود والغجر والمسيحيين من غير الملتزمين بالتعاليم الصارمة للكنيسة الكاثوليكية، التي وجدت في "حروب الريكونكيستا" أو الاسترداد، فرصة العمر لتضع المجتمعات والبشر تحت عباء ة البابا.

إن الرغبة العليا للبابا وطموحاته الكبيرة التي امتدت لتجمع السلطة الروحية والسياسية، وجدت في صعود الممالك الأوروبية الوطنية، حليفاً استثنائياً بعد تسابق ملوك أوروبا إلى قصر البابوية في أفينيون الفرنسية ثم في الفاتيكان في روما، لممارسة نفس الدور في ممالكهم، مع دعم إضافي "صك البركة" البابوية، بعد "الحق السماوي" في السلطة.

لم يكن للتحالف بين بلاطات أوروبا الغربية، والبابا لينجح أو ليخدم مصالح الطرفين، بعيداً عن السطو على آلام السيد المسيح، لتوظيفها بما يخدم الجهتين، عن طريق "الدين الحق" ومحاربة الهرطقة والردة، والكفر، والسحر، والشعوذة، لتدخل أوروبا رسمياً عصر الرعب بعد انتشار محاكم ، التي توسعت أعمالها بقدر توسع السلطة السياسية جغرافياً بضم أقاليم أو احتلال ممالك أو قارات بأسرها مثل أمريكا، في الحالة الإسبانية والبرتغالية، أو التوسع في فرض فكرة الدولة المركزية، ذات الملك الواحد والدين الواحد والرؤية الواحدة كما في فرنسا مثلاً التي أضافت للاضطهاد الديني والطائفي بعداً غير مسبوقٍ، على المستوى العنف والبشاعة والخسائر الفادحة التي تسبب فيها.

تحتفظ الذاكرة الفرنسية بقوة إلى اليوم بما يعرف بـ"حرب الأديان" أو الحرب الطائفية، خاصة بين الإصلاحيين أو البروتستانت، أساساً والكاثوليك الذين كانوا يشكلون أغلبية الفرنسيين، والخاضعين للتاج الفرنسي في ذلك الوقت.

ولكن التيار الإصلاحي، الذي تحول لاحقاً إلى انقسام في الكنيسة تحت مسمى البروتستانية تسلل إلى فرنسا التي تحمل منذ كلوفيس الأول أو ملك "كل الفرنجة" أي القبائل الجرمانية التي شكلت لاحقاً، الفرنسيين، البنت البكِر للكنيسة منذ القرن السادس الميلادي، مع حركة إصلاح أولى بـ"الكاتاريين" و"الفوديين" أو الهراطقة الأوئل،  منذ القرن الحادي عشر في حدود سنة 1000، فاتهمتهم الكنيسة بالردة، للكاتار، وبـ"المانوية" إحدى الممارسات الدينية الشائعة في فارس وأجزاء من آسيا قبل ظهور الإسلام،  للبوغولية، السائدة في البلقان وشرق ووسط أوروبا منذ القرن السابع الميلادي، وتصدت لها الدولة المسيحية البيزنطية بوحشية نادرة، فقط بسب الخروج، على مقررات القانون الكنسي الصادر عن مجمع نيقيا وقبله الإسكندرية، الذين شكلاً عماد العقائد والديانة المسيحية الأولى قبل الانقسامات المتتالية التي أفضت إلى تعددية الكنائس المسيحية، وأفرزت مقولة من لم يكن على ما كانت عليه المجاميع الكنسية، اللاحقة، فهو خارج عن الدين يجب عقابه.

فساد سياسي وديني
ولكن الوضع في فرنسا، كان مختلفاً فمع ضعف السلطات السياسية، والصراعات بين كبار رجال الدين، وما رافقه من مؤامرات سياسية في الجانبين، اغتيالات وانقلابات في البلاطات وفي قصور البابوات، أمكن لمجمل الأفكار الإصلاحية التي تبشر بالمحبة والتسامح والبعد عن المظاهر والطقوسيات وخاصة النفوذ والمال والفساد، طريقها إلى قطاعات هامة من الفرنسيين، الذي يخضع أغلبهم لإقطاع متشدد وحكم ملكي مركزي مستبد، ويعاني الأمرين من الضرائب للإقطاعيين والملك وللكنيسة ورعاتها المنتشرين في كل مكان.

ومع كل استقرار سياسي، وإن كان قصيراً لكن بما يكفي لتمارس باريس سلطتها على المتمردين الدينيين، كانت المذابح والمجازر تطال رؤوس هذه المذاهب وتشرد العشرات منهم والآلاف في الدول المجاورة خاصة انجلترا، التي كانت تستقبلهم في إطار حسابات سياسية خاصة بها وليس هذا مجال استعراضها.

ولكن الأمور تطورت، بسرعة في فرنسا وفي أوروبا عموماً في القرنين الخامس عشر والسادس عشر مع ظهور تيار إصلاحي واسع شمل فرنسا وما يعرف اليوم بسويسرا وألمانيا وشمال أوروبا، على يد عدد من رجال الدين المسيحيين الإصلاحيين، مثل لوثر، أوزفينغلي، وبوسير  وكالفين.

ورغم أن هذا التيارانتقد الممارسات الخاطئة  والفساد والهيمنة والظلم والاستفراد بالثروات بدعوى الدين والحق الإلهي وغيرها، إلا أن الكنيسة الرسمية والسلطة السياسية، تعاملتا معه بشدة ووحشية ما ساهم في ارتفاع شعبيته في فترة وجيزة، لتبدأ حملة "التطهير الديني" ضد الهراطقة من الطوائف المسيحية الجديدة، أي الإصلاحيين.

حروب أهلية مدمرة
ووصل الأمر إلى اندلاع حروب 8 حروب أهلية كبرى استمرت متقطعة بين 1550 وحتى 1704، وبدأت بمنع الحرية الدينية، وفرض العقيدة الرسمية، وانتهت بمذبحة "أصحاب القمصان" بين 1702 و1704، حتى إقرار ملك فرنسا لويس السادس عشر في 1787 ، سنتين  قبل الثورة الفرنسية، "نهاية الاضطهاد الديني" وإعادة العمل بمعاهدة نانت الموقعة في 1598، التي مثلت هدنة قصيرة قبل أن ينقلب عليها لويس الرابع عشر في 1685،  بسبب عقيدته الدينية ومشاريعه السياسية الرامية إلى فرض الدولة الموحدة، ولجم المعارضة والسيطرة على الخطاب الديني، وضمان تدفق الضرائب وغير ذلك.

قتل وتهجير ربع السكان
 ولكن تمرد الإصلاحيين على هذه القرارات الملكية قذف بفرنسا من جديد في أتون حرب مدمرة، قضت على ربع السكان على الأقل من كل الطوائف بين قتيل ومُهجّر، علماً أن عدد السكان وقتها كان بين 20 أو 21 مليون ساكن.

وبعد التخلي عن المصالحة على يد لويس الرابع عشر تتالت القرارات اضد الأقلية الإصلاحية، بمنع الحرية الدينية والكنائس غير الكاثوليكية، وتعميد المواليد والأطفال  الإجباري، ومنع الزواج المختلط، وإقرار "سياسة تبشير" لإعادة الضالين إلى العقيدة الصحيحة، واعتمد الملك الفرنسي في ذلك على الكنيسة الرسمية وعلى جيش صغير متخصص، عرف بسبب المجازر الكثيرة التي ارتكبها بجيش التنانين.

وتسببت هذه الممارسات الرسمية، وجرائم الكنيسة الكنيسة الرسمية، في هجرة 200 ألف فرنسي، من أصل ما بين 800 ألف ومليون منتمٍ للطوائف الإصلاحية، بسبب منعها من ممارسة عدة وظائف خاصة  الوظائف في الدولة، ومصادرة أملاكها، و إنهاكها بالضرائب الثقيلة، ومنعها من القضاء والتقاضي، خاصة إذا كان الخصم كاثوليكياً، وإجبار الراغبين في الحصول على حقوقهم على الارتداد والتنصل من الطائفة، في سجلات رسمية تحمل أختام الدولة وترفع يومياً إلى الملك شخصياً.

وعلى الصعيد العسكري، اشتهرت فرقة التنانين، بأساليبها الوحشية، التي كانت تتمثل في حملات تفتيش وتأكد من ولاء السكان للكاثوليكية، وإعدام الهراطقة بطرق مختلفة بعد حصص تعذيب رهيبة، تجمع الحرق والتعليق حتى تفكك الأعضاء، أو التعليق من الأعضاء الحساسة وخاصة الجنسية، أو التقطيع بربط الأطراف إلى أربعة خيول وإطلاقها في الاتجاهات الأربعة، ما يفضي إلى تمزق الجسد، وذلك إلى جانب الضرب ، أما الأكثر حظاً فكانوا وبعد "استتابتهم" للعودة إلى العقيدة الصحيحة، فيلقون بعد ربط وثاقهم في أقرب نهر أو بئر.

مذبحة سانت باتولوميو
وبالنظر إلى هذا التاريخ المظلم، فإن كل الجرائم المرتكبة باسم الدين، والطائفة، لم ترق إلى مجازر ومذابح ليلة سانت بارتولوميو، في
ليلة 24 أغسطس (آب) 1572، التي تسببت في الحرب الدينية الرابعة، عندما أمرت كاثرين دي ميدسيس تحت تأثير وزيرها المتعصب، غيز، بدعوة وجهاء ونبلاء الإصلاحيين وكبار التجار والأعيان، في خطوة مصالحة مزعومة إلى زفاف ابنتها مارغو من هنري دي نافارا، لتسفر الليلة عن ذبح 3 آلاف" ضال" في صفوف الهراطقة في باريس وحدها، و5 آلاف في أنحاء المملكة.

إن المتأمل في هذه الحروب الطائفية التي عصفت بفرنسا، ومن ورائها بعدد آخر من الدول الأوروبية، في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وذكرى الفظاعات التي تسببت فيها والمآسي التي خلفتها، اجتماعياً ولكن أيضاً ثقافياً وحضارياً وحتى عسكرياً، يُدرك من جديد مقولة عبد الرحمن ابن خلدون، عن التاريخ، بين النظر والتحقيق والإخبار.

T+ T T-