الخميس 22 فبراير 2018

عن الرجل الذى اخترع صفحة الرياضة فى الصحافة العربية





(1)
قبل ظهور نجيب المستكاوي فى الخمسينيات، كان النقد الرياضى فى مصر عبارة عن مربع صغير شبه مهجور فى صفحة داخلية بجريدة الأهرام يعلق على الأحداث متى ظهرت، ثم تغيرت الصيغة بظهوره.

هل تريد أن تعرف ما هو حجم التغيير الذى أحدثه؟

بعد ظهورالمستكاوى بسنوات، كان الكاتب الكبير موسى صبري رئيساً لتحرير "الجمهورية"، طلب المشرف الرياضى لجريدته "ناصف سليم" فى مكتبه قائلاً: "لاحظت ان توزيع الصحيفة يزيد فى الأيام الثلاث التى تقام بها مباريات ثم يقل"، قال له ناصف سليم: "طب أعمل ايه يعنى؟ اقول لاتحاد الكرة العبوا ماتش كل يوم؟" ، فقال صبرى: "لا، أريدك أن تفتعل مشاجرة صحفية كروية مع نجيب المستكاوي بحيث تكتب مهاجماً إياه، فيرد عليك فترد عليه و هكذا فيزيد التوزيع" ، رفض ناصف سليم الفكرة لصداقته مع شيخ النقاد المستكاوي، فكتب موسى صبري بنفسه مهاجماً، واصفاً المستكاوي بأنه "الديك الفصيح"، فرد عليه المستكاوي فى سطور قليلة ولمرة واحدة متحدثاً عن كتاب السياسة الكبار الذين أفلسوا فبدأوا "يتمحكوا فى الكورة".

مابين فكرة أن النقد الرياضى لا يمثل شيئاً، و بين تحوله إلى سبب جوهرى للحراك الصحافى، تقع مسيرة نجيب المستكاوي




(2)
كان الدكتور طه حسين مستشاراً لدار الكتاب العربى للنشر، هاتفهم فى مرة يسألهم عنالكتاب الذى يعملون عليه فى المطابع حالياً، فقالوا له كتاب مترجم لجان جاك روسو اسمه " أزمة الضمير الأوروبى"، كان العميد قد سبق له قراءة الكتاب فى لغته الأصلية، فطلب منهم أن يراجع الترجمة قبل النشر .

قبل أن يدخل الكتاب إلى المطبعة كان نجيب المستكاوي ألمع لاعب كرة قدم فى مدارس طنطا ثم كلية الحقوق قد استقر به المطاف موظفاً فى وزارة الشئون الإجتماعية، على هامش المسيرة قرر مع زوج شقيقته جودت عثمان أن يترجما كتاب جان جاك روسو، إلى أن هاتفه طه حسين يطلب مقابلته بعد أن راجع الترجمة .

بعدها أصبح المستكاوي ضيفاً ثابتاً فى صالون العميد، وقبلها صدر الكتاب بتقديم العميد قائلاً "تعالوا إلى لذة المعرفة، ومتعة الفهم، وسمو التذوق".

من هذه الأرضية اخترع نجيب المستكاوى مهنة جديدة تماماً على مصر اسمها النقد الرياضى، تم صب قواعدها على خرسانة أدبية متينة وسقيت بذائقة فنية رفيعة، فأصبحت مدرسة .

(3)
المستكاوي الآن موظف فى وزارة الشون الإجتماعية بعد الثورة مباشرة، تحديداً فى إدارة شئون الرياضة حيث لم يكن لها وزارة بعد، أسندت إليه أمانة اللجنة الرياضية المسؤولة عن تصفية اللجنة الأولمبية من الباشوات و البكوات .

كانت مهمته تقتضى الرد الدائم على أسئلة مندوبى الصحف فى الوزارة، أوقعته المهمة فى ملل شديد من فرط الإجابة عن الأسئلة نفسها كل دقيقة، فكتب بياناً يشرح فيه كل ما حدث بالتفصيل ووزعه على الصحافيين حتى يريح دماغه، وقع البيان فى يد كمال نجيب المسؤول عن كتابة المربع الرياضى الصغير فى الأهرام، أعجبته لغة الكتابة، فسحب المستكاوي من يده إلى بشارة تقلا صاحب الأهرام .

قال له تقلا: "معك الآن صفحة كاملة فانظر ماذا ترى؟"، فكر المستكاوي كيف يرى ولا فريق عمل تحت يده؟، أهل الصحافة لا يهتمون بالعمل فى الرياضة، لكن ربما يجد من أهل الرياضة من هو مهتم بالعمل فى الصحافة، فكان أن شكل فريق العمل الصحفى من كل من: كامل المنياوي "حكم ملاكمة"، وحسن عفيفي "حكم كرة قدم"، وحسن فضل "حكم رجبي"، ثم بدأ العمل.



(4)
على مدى سنوات ثلاث كانت الصفحة حديث الوسط والجمهور، ولم يكن يوقع باسمه خلالها، كان يضع المادة ولا اسم فى الصفحة سوى اسم كمال نجيب فى مربعه الصغير .

نقلت بقية الصحف التجربة، لكن الإعلانات التجارية لم تكن تعرف سوى صفحة المستكاوي فى الأهرام فتقتطع منها مساحات، ثم صدر قانون عدم الجمع بين وظيفتين فاستقال المستكاوي من الوظيفة وتفرغ للأهرام .

فى هذا اليوم كتب كمال نجيب عنه يقدمه للناس ويحكى عن مجهوده الصامت فى السنوات الماضي ، ثم طلب كمال نجيب أن يتفرغ لمنصب سكرتير التحرير على أن يتولى المستكاوى رئاسة القسم الرياضي .. وهو ماحدث.

أصبح الأمر الآن أصعب من ذى قبل، فما اخترعه المستكاوي فى الأهرام تحول إلى عرف ثابت فى كل صحيفة مصرية أخرى، وكان عليه أن يقبل المنافسة، فترك المنافسين يسيرون فى الطريق العمومى ثم اخترع لنفسه طريقاً جانبياً مدهشا .

(5)
اختار المستكاوي أن ينافس بثلاثة اختراعات :

الاختراع الأول: التجاهل النسبي لقطبى الكرة المصرية الأهلي والزمالك والانحياز الكامل للفرق الأخرى بالذات فرق الأقاليم، ابتعد المستكاوي تماماً عن مشاجرة الاهلي والزمالك اليومية ووجه كامل طاقته فى دعم فرق مثل المحلة والإسماعيلى والأوليمبي والترسانة، وكان لدعمه أثر بالغ الاهمية، فاز الأوليمبى باللقب عام 65، وفاز فريق المحلة باللقب عام 72، وفاز الإسماعيلى باللقب عام 67، ثم فاز الفريق نفسه ببطولة أفريقيا، ثم أصبح الفريق نفسه أيضاً نجماً عربياً بفضل خطة رسمها المستكاوى للفريق عقب توقف الكرة بسبب النكسة وكانت قائمة على لعب مباريات فى الدول العربية يخصص ريعها لدعم المجهود الحربى، وحققت هذة الخطة على مرحلتين ما يفوق 150 ألف جنيها وقتها .

(كان الزمالك يلاعب الاتحاد، كانت مباراة مهمة، وأحرز الزمالك هدف المباراة الوحيد قبل النهاية بعشر دقائق، بعدها أطلق الحكم صافرة نهاية المباراة، فكتب المستكاوى "هل كان لابد أن يفوز الزمالك" فى تلميح لمجاملة شبه سياسية، حيث كان شقيق عبد الحكيم عامر رئيس الزمالك وقتها، اتصل المشير بهيكل غاضباً من تلميح المستكاوى مطالباً بعقابه، رفض المستكاوى الاعتذار وعرض المقال على هيكل فانحاز الأخير له و لوجهة نظره)

(في واقعة أخرى كان الأهلي على وشك أن يلاعب فريق بنفكيا البرتغالى، فتوقع المستكاوى هزيمة الأهلي بناء على هزيمة سابقة للأهلى بسبعة أهداف نظيفة أمام فريق أوربى مماثل، فحدث أن فاز الاهلى 3-2،فوجدها الأهلاوية فرصة للثأر فزحفوا فى مظاهرة عارمة إلى مبنى الأهرام يهتفون "الناقد السمّاوى .. نجيب المستكاوى"، وكانت تقريباً أول مظاهرة ضد ناقد كروى فى العالم وليس فى مصر فقط).

(6)
الاختراع الثانى: اللمسة الساخرة، وتجسدت هذة اللمسة فى إعادة تسمية الفرق واللاعبين حتى أصبحت أسماؤهم الجديدة معترف بها حتى الآن، فالإسماعيلى هو "الدروايش" لأن أبرز لاعبى خط الوسط وقتها كانا "أيمن درويش" و"مصطفى درويش" واشتهرا بالمراوغة الشوارعية التى تجعل الخصم يلف حول نفسه ويترنح يميناً ويساراً مثل الدروايش، والترسانة هو "الشواكيش" لأن معظم لاعبيه كانوا عمالاً فى الورش الأميرية وانعكس ذلك على أدائهم الذى لم يكن يخلو من الخشونة (خشونة المطارق)، والزمالك هو (العتاولة) لأنه فى الستينيات كان عتويلاً كما ينبغى (العتويل فى اللغة العربية هو الضخم المتكمن الواثق من نفسه)، والأهلى هو (العناتيل) وفى اللغة العنتيل هو تصغير العتويل (واخد بالك؟)، بخلاف الألقاب التى حصدها اللاعبون بداية من المايسترو صالح سليم نهاية بمصطفى عبده الذى حصد لقب "المجري" نظراً لسرعته التى تشبه القطار المجرى الصنع- نسبة إلى دولة المجر-والذى كان فخر سكك حديد مصر وقتها (القطر مش مصطفى عبده).

جعل المستكاوى كل فريق ولاعب ومدرب فى مصر يحلم باللقب الجديد الذى سيحمله والذي سيخلد اسمه فى تاريخ الكرة، حتى لاعبي الفرق المغمورة، اتصل أحدهم بالمستكاوى وكان لاعباً فى فريق السكة الحديد طالباً منه أن يطلق عليه لقباً، سأله المستكاوى عن اسمه فقال "خيشة"، قال له المستكاوى "طب هنعملك إيه تانى أكتر من كده .. عموماً لو أجدت فى مباراة قادمة سأكتب مانشيت "خيشة مسح بلاعبى الفريق المنافس الأرض".



(7)
الاختراع الثالث: طريقة جديدة لتقييم الأداء فى الماتشات، طريقة بسيطة للغاية ومليئة بجاذبية طفولية، وهى منح كل لاعب فى المباراة درجة من عشرة، كان الماتش ينتهي ويذهب كل لاعب إلى الفراش يقضى الليلة فى أرق تام حتى يرى الدرجة التى سيمنحها له المستكاوى في مقال الغد، كان كثيرون يتصلون به ليناقشوه في الدرجات، منهم من يهاتفه ليتظلم أو ليستفسر، أتصل به أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة يسأله لماذا منح الضظوى ( 3 من 10) فى مباراة مصر ضد ألمانيا رغم أنه صاحب هدف الفوز؟، فقال له المستكاوي: "الضطوى كان واقف فى القيراط اللي مشتريه جوه الملعب مابيتحركش منه، وأول ما اترفعت كورة الجون جري الضظوى وزق الجوهري زميله علشان هو اللى يحطها، فأديته 3 علشان سوء سلوكه)، شخص آخر سأله لماذا منحت "عوضين" لاعب الأهلي الشهير فى المباراة الأخيرة (صفرين من عشرة)؟، قال المستكاوي: "صفر لكل عوض".

(8)
اخترع الصنايعى نجيب المستكاوي مهنة النقد الرياضى وأشعل دروبها بالمعارك وبالتجديد و بالأفكار اللامعة والنقد اللاذع لأتخن مسؤول رياضي في مصر، خدم الرياضة المصرية بانحيازه لكرة قدم الأقاليم، ودعمه التام العادل المليء بالفهم لكل الألعاب الأخرى، فكان ينتظر تحليله لاعبو المصارعة وكرة اليد وألعاب القوى، ابتعد عن الكتابة عن النجوم واحترف صناعة النجوم بداية من عز الدين يعقوب نجم الأوليمبي نهاية بمحمد رشوان بطل الجودو .

خاض معارك للإصلاح الإداري، وعندما انهزمت مصر من تونس بسهولة مهينة فى تصفيات كأس العالم، اعتزل الكتابة عن كرة القدم حزناً على مسيرة 25 عاماً من الكتابة عن الإصلاح والبناء فى مضمار الرياضة، ثم عاد إلى كرة القدم مع وصول مصر لكأس العالم في إيطاليا، لكنه لم يشارك في الزفة الكدابة، وكتب عن دهشته من الفرحة بهدف يتيم في البطولة ومن خطة لعب قائمة على زرع 10 متاريس بشرية داخل منطقة الجزاء جعلت مدرب إيرلندا يقول: "هذه ليست كرة قدم"، "و قد كان محقاً".. قال المستكاوى .

(9)
توفى المستكاوي عام 1993، وكان آخر ما قاله فى حوار صحفى أجري معه فى مقر إقامته بقسم القلب بإحدى مستشفيات المعادي: " الكورة هي حياتي.. ده أنا حتى عندي 11 حفيد بافكر اعمل بيهم فريق ينافس على الدورى".
T+ T T-