الخميس 24 مايو 2018

يحفران في الذاكرة

مصطفى محمود (أرشيف)
مصطفى محمود (أرشيف)


مذيعان جعلا الحياة مشوقة فى عيني طفل وحيد يعيش فى مدينة نائية، مصطفى محمود و حامد جوهر (مع حفظ الألقاب).

مصطفى محمود كان رجلاً لا ينظر إلى الكاميرا. يبدو متوحداً بروح مبتسمة مندهشة تحرضك على التحليق، كانت الموسيقى المميزة لبرنامجه (مقطوعة الناي التى يلعبها محمود عفت) موسيقى حزينة حزن الأنبياء، كانت تثير في قلبي مشاعر الخوف، لكنه ليس خوف أيام الامتحانات بل خوف العشاق على قصة حبهم.

كانت حلقات العلم والإيمان فجوة في جدار الثوابت المحيطة بعقلي كطفل، كانت المادة الفيلمية التي يذيعها مصحوبة بتعليقاته الساخرة المتعجبة جذابة أضعاف جاذبية جريندايزر والرجل الأخضر ومارك المخلوق البرمائي، كان مصطفى محمود أول من عرفني على وجه آخر لله بعيداً عن وجه معقابة تاركي الصلاة أمثالي ومكافأة المصلين أمثال ابن خالتي. عرفني مصطفى محمود على وجه غامض وساحر لا تملك حياله سوى التصفيق الحاد والانحناء احتراماً. شيء ما بداخلي كان يحرضني على الانحناء لله بعد كل حلقة من العلم والإيمان وهكذا تعلمت الصلاة.

لا أعرف ما الذي جعلني مغرماً بحامد جوهر وبرنامج عالم البحار غراماً يثير الكوميديا في عائلتي، ربما كنت أرى في ذقنه البيضاء تعويضاً عن وفاة جدي، ربما لأنه كان يحدثني عن البحار التي حرمتنى منها النشأة في الصعيد، ربما لأنه كان يعرض أفلاماً عن (كلب البحر) حيواني المفضل .. الحيوان الوحيد الذي تمنيت اقتناءه، ربما بسبب خامة صوته العميقه القادمة ـ على رأي حليم ـ من أعماق البحر.

كان صوته فاتناً بكل ما فيه من هدوء وجاذبية ووقار يليق بقبطان معتزل، كنت أقلد صوته فأضحك أمي ولكن عندما شاهدنا مسرحية العيال كبرت وسمعنا سعيد صالح يقلده رأيت على وجه أمي ملامح الامتعاض، في أول زيارة لي للإسكندرية كنت أتوغل في الماء بحثاً عن الكائنات التي عرفني عليها حامد جوهر ولكنني عدت محبطاً إلى مدينتي حيث لم ألتق إلا بالقواقع ولسعات قنديل البحر، فى نهاية هذا الصيف توقف برنامج عالم البحار نهائياً وبعدها بقليل توفي د.حامد و غاب عن ذاكرتي.

بعدها بسنوات، زرت شرم الشيخ في منتصف الشتاء ومارست السنورلكنج وشاهدت عالم الكائنات البحرية الملونة لأول مرة في حياتي، عدت إلى الفندق متعباً وقبل النوم سحبت جريدة الأهرام وسيجارة ودخلت الحمام قرأت في حظك اليوم (اليوم تلتقي بأصدقاء قدامى)، قلت لنفسي أصدقاء قدامى مين وأنا داخل أنام؟

أسفلها بقليل في زاوية (حدث في مثل هذا اليوم) كان السطر الأول يقول (وفاة د.حامد جوهر رائد علوم البحار).
T+ T T-