الأحد 18 فبراير 2018

أبوظبي، قبلة التسامح!



عادة ما أفضل قراءة الكتب على تلك الكتب الإلكترونية، ولا ألجأ إلى الكتاب الإلكتروني إلا في حالات الطوارئ القصوى؛ كأن يكون الكتاب الذي أبحث عنه قدر علي الوصول إليه إلا في حالته الإلكترونية، أو عندما أسافر ولا أجد في حقيبتي متّسعا لكتب أخرى. ولا أذكر الآن على وجه التحديد أيّ السببين كان وراء دفعي للبحث عن نسخة إلكترونية من كتاب "أفكار مهدّدة بالقتل" للصحفي المصري إبراهيم عيسى، ولكنني أتذكر بمنتهى الدقة الشعور الذي انتابني عندما تعثّرت بملاحظة هامشية دوّنها الشخص الذي قام بتوفير الكتاب إلكترونيًا على هامش إحدى الصفحات. فبعد أن يقول إبراهيم عيسى باستنكار "لقد صارت هناك جماعة كبيرة من المسلمين المصريين على قناعة بأن المسيحيين كفرة" يعلق هذا "الأحدهم" قائلاً "آه كفّار يا ابن الكلب"!

أولى تلك التساؤلات التي غزت رأسي كانت لماذا يقرأ متعصب كتابًا لكاتب يبدو جليًا بأنه لا يلتقي معه في نقطة اتفاق واحدة؟ ولماذا يقوم بإتاحة الكتاب إلكترونيًا إذا كان، كما هو واضح من ملاحظته، لا يتفق مع مضمون الكتاب؟

ربما كان يعتقد بأنه في مهمة مقدسة، يخرج هذا من حظيرته ويدخل ذاك في قطيعه! أو ربما كان يعتقد بأنه عندما يوفر الكتاب في صيغته الإلكترونية وبتعليقه الفج سيثير فضيحة حول المؤلف إذ ستبطل قيمته وقيمة كتابه.

أو وربما كان يظن نفسه سليل الشهرستاني صاحب الملل والنحل ، فيقسم العالم إلى فسطاطين مسلمٌ وكافر، والمسلمين منهم إلى ٧٣ فرقة لا تنجو منها إلا فرقته، يدخل من يشاء منها في جنته ويلقي بمن يشاء في قعر الجحيم!

وأغلب الظّن أنّه ليس سوى مندفع بأفكار هشة مستعجلة متعصبة يظن بأن العالم ليس سوى "فيديو قيم" يجب أن ينتصر فيها الدّين "البطل" على الأديان "الشّريرة" ويبطلها ، ولا يشعر بلذة النصر إلا حين يمرغ أنوف أتباعها في التراب.

تذكرت هذا الشخص وملاحظته الرديئة وأنا أقرأ ردود أفعال/أقوال المتعصبين على خبر بناء معبد لطائفة الهندوس في إمارة السلام/الإسلام أبوظبي!

لا أعلم كيف باستطاعة البعض أن يجعل من كلّ أمرٍ جميل شيئًا مأساويًّا ؟ أعتقد بأنّ بناء معبد لطائفة يتجاوز عدد أتباعها ال١٥٪ من مجموع السكان (مع التأكيد على أن النسبة غير ذي بال في موضوع كهذا، فحتى لو كانوا لا يشكلون غير واحد في المائة أو نصف في المائة فإنه يحق لهم أن يمارسوا طقوس دينهم)، وإلى جانب مغزاه النبيل، ذكيّ جدًا؛ فبدلاً من لجوء هذه الطوائف إلى ممارسة طقوسها في العتمة، ستمنحهم هذه الفرصة شعورا بالأمان، علاوة على أنه سيصبح للإمارات على الهند -ذات الأغلبية الهندوسية- معروفٌ سيعود أثره في صالح المسلمين هناك، وهذا أمر بديهي في الأعراف السياسية التي لا يفقهها ذوو النظرات الضيقة التي لا ترى في العالم إلا دينها ومذهبها وطريقتها.

يتواقح أحدهم ويقول بأن الإمارات تحارب الإسلام عندما تخصص أرضا لبناء معبدً لعبّاد البقر (كما يسميهم)، ويعجز فكره الضيق عن استيعاب أن الإمارات تحارب النسخة المشوهة من الإسلام، تلك التي تحتقر الآخر والمختلف وتمعن في التضييق عليه والكيد له، فالإسلام الحقيقي الذي تروج له الإمارات لا يقبل على أتباعه شتم ديانة مهما كان عدم معقوليتها بالنسبة لهم مصداقًا لقوله تعالى { وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ }، والإسلام الحقيقي السمح الذي يجد مكانه في الإمارات هو ذلك الذي لا يمنع الناس من ممارسة شعائرهم، كما لا يحرمهم من ارتياد أماكن عبادتهم المخصصة لهذا الغرض، فهذا ليس أول معبد للهندوس في الإمارات كما يظن أولئك الباحثين عن أي جنازةٍ يلطمون فيها!

المتعصّبون الذين يعتقدون بأن بناء معبدٍ هندوسي هي نقطة سجّلها الخصم في شباك مرماهم لا يختلفون كثيراً عن صاحب الملاحظة على كتاب ابراهيم عيسى!

لا يعلم هؤلاء بأن الكون يتسع لكافة الأديان، وأن الحق هو نصف الحقيقة، وأن جميع البشر يمتلكون أجزاءً من الحقيقة ولا يمتلكون الحقيقة كلها!

ولا يعلمون كذلك بأنّ من يدعو النّاس إلى احترام كافة الأديان والعيش في سلام كل حسب عقيدته، خيرٌ ممن يستدرجهم إلى مفارقة/تبديل عقائدهم ليبني لنفسه قصرًا في الجنّة، ثم يجعلهم يعيشون في قصور تورا بورا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
T+ T T-