السبت 26 مايو 2018

لـ "بشار أسد" شبّيحة في الأردن.. رأوا النصر!



سقط نظام حسني مبارك في مصر، في ذلك الشتاء الذي سيسمّى فيما بعد "الربيع العربي"، فسارعَت رابطة الكتاب الأردنيين، حين كانت تُدارُ من قبل مثقفي نظام "اللامقاومة" و"المماتعة" في دمشق، لإصدار بيانٍ يُبارك الثورةَ على "الطاغوت"، وتضمّنَ جملاً إنشائيّة أخرى كانت قد استُخْدمت في نفس المواضع، في بيان مشابه في الشتاء نفسه، عقب سقوط نظام "زين العابدين بن علي" في تونس. البيانُ كان مرناً ما يتيحُ استبدالَ العواصم في النسخة الأصلية المحفوظة على الحاسوب، لكنّ بعض أعمال "التوسعة" طرأت عليه مع أحداث الرابع والعشرين من آذار، في عمّان، في "ثورة دوّار فراس"!

لم تكن الثورة السوريّة أكثر من كتابات فِتْية على جدران درعا، وبيان فيسبوكيِّ لم يستجب له أحد، حتى خرجت تلك العبارة من فم مسؤول جهاز المخابرات في المحافظة الجنوبية لشيوخ العشائر، طالباً أن يأتوا بنسائهم لإنجاب فتية آخرين بدلاً من المعتقلين لدى جهازه. وإلى الآن لم يستطع "فحول" النظام و"الفحول" المستوردة من جنوب لبنان والعراق واليمن إطفاء الثورة التي خرج عرّابُ المثقفين الأردنيين المؤيدين لـ نظام "اللامقاومة" و"المماتعة" ليصفها بـ "البرتقالية"، وأضاف مفردات شارحة من قاموسه الاتهاميِّ الجاهز، والمحفوظ في مقالاته القصيرة، فهي "صهيونية"، "أمريكية" "وهّابية"، ثم زار/ زاروا دمشق وصافحوا طاغيتَها كأيِّ وفودٍ تحتاجها القناة الفضائية السورية لملء نشرتها الرئيسية الفقيرة بـ "الدعم لسورية الصمود"!

هذا ملخصٌ سريعٌ لردة الفعل الأولى لـ "مثقفي المماتعة"، بمجرد اتساع رقعة الثورة، إذ دلقوا على جدرانهم عبارات محتقنة مستقاة من القاموس الشفاهيِّ لـ "فحول" أقبية المخابرات الجوية، وربّما استعانوا بالخبرات "التشبيحية" التي يتمتع بها أفراد "الجيش السوري الإلكتروني"، وهذا التفسير الوحيد للشبه حد التطابق بين اللغتين. أربع سنوات ومثقفو "اللامقاومة"، يقعون في متناقضات صارخة لا تشبه سوى "التحليل الدوريّ" الذي يخرج به المحلل السوري المعتمد لدى النظام "شريف شحادة"، في لغة بائدة، وأساليب بائسة، واتهامات بـ "العمالة" و"التبعية" و"المؤامرة الكونية"، للدفاع عن نظام قام أساساً على الغدر بـ "الرفاق" وزجّهم بالأقبية حتى الموت.

"مثقفو الأسد" هم معارضون للنظام الأردني، سجِنَ بعضهم لسنوات إبان الأحكام العرفية، وخرجوا بالطبع أحياء، والآن يُرزقون، وبعضهم تقلد وظائف رسمية، أو أنشأ عملاً خاصاً، ويكتبون في الملاحق الثقافية التي تتبع صحف الدولة، وجميعهم أنجبوا أطفالاً "أسوياء"، ويسمح لهم برفع الصوت عالياً، والتظاهر ضدّ النظام، وعليه، ومن أمامه، ومن ورائه، ويحدث أحياناً أن يذهب بعضهم إلى مخفر "أمن المدينة"، أو يحتجز لساعات ظليلة في قلعة الدوار الثامن، وفي أسوأ الأحوال يذهب حرَّ اليدين إلى محكمة أمن الدولة، ويخرجون بعفو، أو ببراءة، أو بالصيغة التوافقية التي تجعلهم "أبطالاً"، ونموراً ورقية، وظواهر صوتية تُورّث بالجينات كالصلع المبكّر. "مثقفو الأسد"، ليس من مصلحتهم عقد المقارنات، فلا يمكن إحراجهم أبداً باقتراح الإقامة لأسبوع واحد في سجن "المزة"، أو بتبادل اضطراري للأدوار مع المعارضين السوريين!

 .. و"مثقفو الأسد" من المخجل أن نسميهم "أردنيين"، وإلا ما الذي يمنع "الأصدقاء الشخصيين" لـ "الدكتور والديكتاتور"، أنْ يتوسّطوا لديه، أو يرجوه، بأيِّ صيغة تخاطب بينهم، لإخبار أهالي نحو خمسمائة عائلة أردنية بمصير أبنائهم الذين فقدوا منذ صعود حافظ القرداحيِّ على رقاب رفاقه قبل خمسة وأربعين عاماً. طلاّب، وسائحون، وعابرون، ذهبوا إلى الشام ولم يعودوا، ودُفع لزوجات الضباط العلويين عشرات الآلاف لمعرفة إنْ كانوا أحياء أو أمواتاً، فما الذي يمنعُ "اللامقاومين" و"المماتعين" في الأردن من سؤال سيِّدهم القرداحيِّ عن مصير أبناء وطنهم. لا شيء سوى أنّهم يعتبرون أيّ معتقلٍ لدى نظام "المماتعة" غير جدير بالحياة.

من العبث محاولة تفكيك خطاب "مثقفي المماتعة" في الأردن، وإخضاعه عنوة للمنطق، فهو انفعالي يُختصر بسطر فيسبوكي، واتهامي كالمرافعات المرتجلة على قناة "دنيا" الأسدية، وإقصائي كأيِّ تربية حزبية شموليّة، فهم يتهمون خصومهم بأنهم يقبضون رواتب من بلاد "البترودولار"، واثنان من العرّابين يكتبان في صحف خليجية، وثالثهم في صحيفة لبنانية تمويلها إيراني، وكتَبَتْهم على فضائيات "السيِّد" المباشرة وغير المباشرة، ويلصقون بخصومهم صفة "الوهّابيّة"، وهم يناصرون نظاماً طائفياً يحكمُ بلداً بطائفته، ويستعين بدولة من طائفته، وميليشيا مجاورة من طائفته، فهو نظام "علوي" العلمانية فيه فرقة اسماعيلية!

اليوم يبتهج "مثقفو الأسد" في الأردن بالعدوان الروسيِّ على حمص وإدلب، يحتفلون بـ "رايات لينين الحمراء"، بعد أربع سنوات على الإدارة العسكرية لـ "قاسم سليماني" وتحت ظلّ آيات "العلم الأصفر"، لا بأس يمكنهم أن يشربوا نخب العدوان "فودكا" سليمة من الغش، ويتحدثون بثقة الغالب عن "بوادر النصر"، وعودة الله إلى باب توما، وربّما بالفعل يصيرُ للمستحيل ضلعاً رابعاً، ويخرج "بشّار القرداحي" من حيِّ المهاجرين برقبةٍ طويلةٍ مشدودةٍ، ويزور قبر أبيه وأخيه في اللاذقية، دون إخراج تلفزيونيٍّ مكشوف بالثغرات، لكنّ الذي خسِرَ حتى النهاية شاعرٌ لم يزعجه في فيلم اغتصاب طويلٍ سوى أنّ المُغْتَصَبَةَ قالت: "بَدِّي حرية"!
T+ T T-