الثلاثاء 21 أغسطس 2018

أوباما لم يسقط



في الآونة الأخيرة، كثر الحديث، وتحديداً من قبل المؤيدين للثورة السورية، عن الدور الأمريكي السلبي. هناك من ذهب إلى ما هو أبعد من مجرد انتقاد لما أسماه ضعف باراك أوباما، إلى حد القول إن روسيا تفعل ما تشاء والولايات المتحدة متفرجة. لا بل، وزير الخارجية الروسي سيرجيه لافرروف يُلاعب نظير الأمريكي جون كيري كما يشاء. أعطوا مثالاً ما جرى في ميونيخ، وقبلها في فيينا.

بالنسبة إلى فئة كبيرة، أخذ الروس ما يريدون في اجتماع ميونيخ قبل أسبوع، دون أن يقدموا أي شيء. فوقف إطلاق النار، كلمة فضفاضة طالما اقترنت بالنسبة إلى موسكو باستمرار الأعمال العسكرية ضد الإرهابيين. وهي، لها تعريفها الخاص لما هو إرهابي في سوريا، إذ إن أكثر من 80% من غاراتها استهدفت المعارضة المعتدلة والمدنيين السوريين لا داعش ولا النصرة. وهي أيضاً، إذا ما قررت وقف إطلاق النار، فهذا يخضع لتعريفها لمن هو إرهابي. بشار الأسد على الطريقة الروسية قال: وقف إطلاق النار في سوريا لا يعني وقف استخدام السلاح. هذه أحجية بالتأكيد.

مشاهدة ما يحصل ميدانياً في سوريا والتقدم الإيراني ـ الروسي على حساب المعارضة، ورد الفعل الأمريكي المعدوم، لا يعني أن أوباما يخسر. ولا يعني أيضاً أن فلاديمير بوتين تغلّب عليه وأن الدور الروسي أطاح بالأمريكي في المنطقة وتحديداً في سوريا. إلى الآن، لم يربح الروسي أي شيء، ولم يخسر الأمريكي أي شيء. لا بل، الروسي يدفع من جيبه الخاص في سوريا ولم ينتصر بعد، ولن يفعل بالكامل، والأمريكي لا يدفع من جيبه شيئاً ولا يخسر، وهو بالتأكيد لن يفعل. حتى، لو افترضنا أن أمريكا لا تربح أي شيء إضافي عمّا هو أصلاً لديها(وهو شيء بعيد عن الواقع والوقائع)، فهذا لا يعني أنها تخسر.

هناك آمال تُعقد على الدور الأمريكي، وإدارة أوباما منذ سنوات في مكان آخر. المفاجئ أن هناك من لا يزال يتفاجأ بما تفعله أمريكا. بالتأكيد أوباما ليس ضعيفاً، ولا كيري أرعن. بل هما، يلعبان بخبث على الأرض السورية وبدم السوريين فلا حسابات إنسانية هنا ولا همّ بمهاجرين ولاجئين طالما بلادهما، معافاة تماماً وبعيدة بشكل أو بآخر إلى الآن، عن كل ما يحصل من حلب إلى أوروبا.

السياق الأمريكي منذ بدء روسيا حربها على السوريين واضح. هي مع تركيا في إسقاط الطائرة الروسية، لا بل هناك تقارير تحدثت أن العمل الحربي التركي آنذاك كان بدفع أمريكي. لكنها، لا تسمح لحليفها التركي بأن يتحرك كثيراً في الأزمة السورية، وهي الوحيدة تقريباً التي منعت إنشاء منطقة حظر جوي في الشمال السوري، حتى أنها وقفت ضد رغبة الاتحاد الأوروبي الساعي إلى التخفيف من هجمة اللجوء التي تجتاحه هرباً من نظام الأسد وإيران وداعش، واليوم هرباً من الاحتلال الجديد: روسيا.

هو السياق نفسه، الذي دفع بالولايات المتحدة إلى تسليح قوات كردية، قريبة من النظام السوري ومن روسيا، هي اليوم تهاجم المعارضة المعتدلة في ريف حلب وتتقدم نحو أعزاز لتصل إلى الحدود مع تركيا. الولايات المتحدة، مع أنقرة لافتعال أزمة مع روسيا، ولكنها ضدها تماماً إذا ما قررت التصدي ومنع وصول قوات الحماية الكردية أو قوات سوريا الديمقراطية إلى حدودها. وهي، التي سلحت هؤلاء، وقالت إنهم سيقاتلون داعش، وهم إلى الآن، يغيرون على ما تبقى من بقع فيها معارضة معتدلة، فقط.

والسياق نفسه أيضاً، يجعل الولايات المتحدة بموقع المتفرج السلبي على ما يحصل في سوريا، حين تقف مكتوفة اليدين، ومكتفة يدي حلفائها الخليجيين وتحديداً السعودية، أمام الاكتساح الإيراني لسوريا. قرار الرياض إرسال قوّات برية أمامه عقبة وحيدة: الولايات المتحدة. وبين هذا وذاك، يتمدد داعش بحدود ما يُسهم في تأجيج النزاعات المتنقلة.

كل هذه السياقات الأمريكية، لا تعني إطلاقاً أن أوباما هُزم. هي تقود إلى قناعة بأن الإدارة الأمريكية هذه تُشجع على اقتسام نفوذ متعدد في المنطقة. لا ضير من تمدد إيراني إلى سوريا مقابل تراجع لطهران في اليمن لصالح السعودية. لتركيا الحق بمواجهة العمال الكردستاني في تركيا، ولأمريكا القدرة على زرعهم على حدودها الجنوبية. بؤر من الحروب المتنقلة والثابتة في آن، والوحيد المتفرج هو الولايات المتحدة. وهذا لا يعني أنها هي من رسمت السيناريو، إلا أنها إلى اليوم الوحيدة التي تعرف كيف "تركب موجة" المنطقة، وتجعل كل شيء يصب في حساب مصالحها الاستراتيجية.

أوباما لم يسقط، الجميع في انتظاره. أوباما تعلّم درس العراق، وهو اليوم يكسب بأقل مجهود ممكن. لا أحد في المنطقة مثل أوباما.
T+ T T-