الجمعة 17 أغسطس 2018

خواطر كونية حول الإرهاب واللامبالاة الجماعية



والسؤال الأكثر إلحاحاً هو هل تكترث غالبيتنا للإحساس بمعاناة الآخرين، ومحاكاة تجاربهم؟ : الجواب، لا
لا يتوافر بين أيدينا للأسف، كلمة أدق من كلمة "إرهاب" لكي نعبر بها عن كامل التجربة الإنسانية التي تحيط وتتخلل الحدث الإرهابي. ويكفينا القول إن "الإرهاب" هو عنصر من عناصر بنية وعينا كبشر حول الأحداث الإجرامية التي تحصل بإستمرار هذه الأيام. والإنسان لا يمكنه أن يعيش منعزلاً عن سيرورة العالم المتغير يومياً، كما أن الإنسان لا يسعه أن يعيش في العمى أو الخواء بدون أن يبني فهمه الخاص للإرهاب الذي نعيشه، هذا الإرهاب هل هو تجلٍّ لنوايا بضعة منظمات وجماعات شريرة؟ أم هو تراكم زمني طويل لعقائد وأيديولوجيات عنيفة؟ والحال أن الفهم البشري يصير ذا معنى عندما يحاكي الآليات التي تشرح تجارب الإنسان المختلفة مع الإرهاب.

ولكن كيف من الممكن نفهم أو بالأحرى أن يحاكي فهمنا العملية الإرهابية العدمية في ميونيخ أو اليابان؟ وماذا سنضيف لبشريتنا عندما نحاكي تجارب الآخرين النفسية والشعورية؟ والسؤال الأكثر إلحاحاً هو هل تكترث غالبيتنا للإحساس بمعاناة الآخرين، ومحاكاة تجاربهم؟ : الجواب، لا.

رغم كل ما نقوله عن أنفسنا ورغم شهوتنا للتحلي بالفضيلة، إلا أننا تنوقف في اللحظات الأخيرة عن الإحساس بالآخرين لكي نعود للإختباء خلف مصالحنا الضيقة، أو غيرها من يوميات الحياة التي تستهلك انتباهنا وطاقتنا. في تراثنا الروحي والأخلاقي هناك قصص وروايات حول ضرورة الإحسان للآخرين ولكننا وصلنا لنقطة من الإنهاك النفسي بحيث لم يعد الحديث عن الإحسان للآخرين ومساعدتهم كافياً ليعطينا الشعور بالأمان النفسي. تكرار العمليات الإرهابية وتأثير الإعلام الاجتماعي على قدرتنا على التأمل والتحليل العميق، وسرعة وصعوبة الحياة التي تلقي على كواهلنا طلبات لا تتوقف. كل هذا وغيره يستنزف كثيراً من مخيلتنا الأخلاقية والنفسية على أن نضع أنفسنا في مكان الآخرين.

لنعترف صراحة بالأمر، نحن نفضل أن نتحدث عن الآخرين أو أن نغرد عنهم وعن آلامهم، بشكل يفوق رغبتنا بأن نشعر بما يشعرون به.

 وعندما نستذكر النجاح الكبير الذي تلقاه الحملات الأخلاقية المستمرة في مواقع الإعلام الإجتماعي ذات الصوت المرتفع والمتحدثة دائماً عن الأزمة الفلانية أو التفجير الفلاني هنا وهناك، فإننا لا نملك إلا أن نشعر بالآسى تجاه الوضع الراهن من ضعف قدرتنا في العمق على استبطان حقيقة الأمور نفسياً وأخلاقياً.

وقد يمكن الرد بأنه لم يعد يوجد في أيامنا الضوابط التي تجعلنا نتوقف عن الإنجراف في نهر الخواء الأخلاقي الذي نعاني منه، أو بالأحرى لنقل أن كل من يحمل هذه الضوابط في داخله يخاف من التصريح عنها ونشرها، لأن اليأس قد علمه بأننا لا نتعظ ولا نتعلم من أخطائنا.
T+ T T-