الأربعاء 15 أغسطس 2018

اغتيال السفير الروسي في تركيا: غرائز المتفرّج الفاشل



ما إن شاع الخبر وذاع، ومعه الفيديوهات والصور، حتى اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي، العربية خصوصاً، في تقريظ منفذ عملية اغتيال السفير الروسي في أنقرة، إلى حدّ وصف بعضهم له بـ "شهيد حلب"، دون أن يغفل كثر، من الجنسين، امتداح "رجولة" و"فحولة" منفذ العملية الشاب في زمن "عزّ فيه الرجال" بحسب وصف بعض التعليقات، وفي حين راعى آخرون ألفاظهم وحاولوا اختيار كلمات أقلّ حدّة وشماتة بمقتل الدبلوماسي الروسي، غير أن المحصلة واحدة:

القاتل التركي الشاب "شهيد بطل"، والدبلوماسي القتيل دفع ثمن أفعال رئيسه بوتين في سوريا، وفي المقابل ذهب بعض العرب إلى حدّ التفجع على القتيل الروسي، الذي طعن من يعتبروه زعيماً لهم و ممثلاً لخطابهم، أي أردوغان في الظهر، وهو الذي يسعى إلى إنقاذ سوريا من براثن الأسد والروس، ولو عبر عقد الصفقات والتسويات العلانية والخفية، مع الأخير، متهمين خصم أردوغان، عبد الفتاح غولن، بالوقوف وراء الاغتيال، علماً أن قليلاً من التأمل في المٍالة برمتها، يكفي لنرى أن الشاب التركي هو أقرب إلى الخطاب الأردوغاني مما إلى خطاب أيّ طرف آخر. في حين اتجهت حسابات عرب آخرين إلى "بطلهم" بوتين الذي سبق وامتدحوا جرائمه في حلب، متبنين بالكامل خطابه بأنه يحارب الإرهابيين فقط في سوريا، ومعربين عن غضبهم الشديد من جريمة اغتيال سفير قيصر روسيا، حتى ليكاد بعضهم يصف بوتين بالضحية والشهيد لأنه يحارب الإرهاب في سوريا، وإذا به يتلقى هذه الضربة القاسية وغير الإنسانية. 

اشتعال الغرائز هذا ليس بجديد على السوشال ميديا العربي، إذ تحول تويتر وفيس بوك وإنستغرام إلى منصة دائمة لمثل هذه الغرائز بأشكالها وأنواعها وخلفياتها المتباينة والمتناقضة أحياناً، لكنّ اللافت في الأمر هو أن جميع ردود الفعل دون استثناء، لا تصدر عن تفكير أو رؤية عقلانية للمسألة برمتها، بقدر ما يدفعها الغضب، أو الشماتة، أو حسّ الانتقام، أو حتى حسّ العبث والسخرية واليأس في كثير من الأحيان. جميع اللاعبين في هذه القضية بالذات، أي اغتيال السفير، ليسوا عرباً، فالقاتل تركي والقتيل روسي، لكنّ العرب – كالعادة – فرحون بأن يحتلوا موقع "الخلفية" و"المتفرج"، وفرحون أكثر بوصفهم "لجنة التحكيم" التي تعيّن هذا "شهيداً" وذلك "بطلاً"، وذلك "قاتلاً" أو "ضحية"، وهذا كله إن دلّ على شيء فعلى الفشل العربي المتمادي، والذي شكلت أحداث حلب الأخيرة نوعاً من المنظار المكبّر له، حيث أننا لو بحثنا عبر التواصل الاجتماعي عن أكثر كلمة استخدمها المستخدمون العرب، لوجدنا أن كلمة "فشل" و"عجز" هي الأكثر استخداماً، ومن البديهي بالتالي أن تكون ردّة فعلهم ذلك الصراخ الهستيري الجنوني بعد أن سجّل الشرطي التركي الشاب الهدف الذي كانوا يتوقون له منذ أشهر في شباك العدو الروسي، أو صراخهم النقيض من ذلك والمحتجّ على وصول الإرهاب إلى هذه المرحلة التي تخترق خطوطاً حمراء غير علانية كانت موضوعة سابقاً، إلى الفئة الثالثة التي احتلت كرسيّ المحلل السياسي ورأت على الفور مؤامرة في عملية الاغتيال هذه.

الأرجح أن الاغتيال هو مجموع ذلك كله معاً. هو حلقة في الصراع الكوني الجاري حالياً في سوريا، والأرجح أيضاً أن تداعياته ستكون من نفس النوع، لكنّ المؤكد أنه في الحدث، كما في ما سبقه، كما في تداعياته اللاحقة، العرب بنخبهم وقواعدهم الشعبية، هم الأكثر غياباً عن الأحداث والأقل مساهمة فيها، وإن كانوا أكثر من يدفع ثمنها من لحمهم الحيّ ومن مستقبلهم ومستقبل أجيالهم المقبلة.
T+ T T-