الثلاثاء 12 ديسمبر 2017

موعظة فري زون

صورة تعبيرية.(أرشيف)
صورة تعبيرية.(أرشيف)


إنهم ضحايا الوعظ والنصح والإفتاء والجدال الذي نتوهم بأنه التتمة الطبيعية لكل حوارٍ يصل إلى مفترق الطرق بين ما يجوز وما لا يجوز، وبين ما يُقنع طرفاً ولا يُقنع الطرف الآخر
وضعت القط الصغير على طاولة الفحص، وأخبرت الطبيب البيطري بصراحةٍ بأني أود أن يجري له عملية قتلٍ رحيمٍ.

"هل أقتنعتِ أخيراً بأن الإعاقة الشديدة ستجعل حياته شبه مستحيلة؟"...ذكّرت الطبيب بأنه في الواقع لم يقترح عليّ القتل الرحيم حين أتيت بالحيوان في المرة الأولى، فأجاب متستراً بابتسامته الصفراء وهو الذي أدى قسم أبقراط بعدم التبسّم في وجوه الزبائن: "بالطبع لم أفعل، فقد كنتِ لتتهمينني بعدم تقوى الله ... وأشياءٍ أخرى".

لن أتحدث بالنيابة عن الطبيب، ومن هم على شاكلته من مُرهقين مُتعبين ضجرين، ولكن لا أعتقد أن أشد ما يزعجه، ويُعكّر صفو يومه، هو أن يرد الزبون بـ "لا يجوز" حين يقترح علي–مثلاً- أن يقوم بتعقيم حيواناته الأليفة.

الزبون لن يُمارس بذلك سوى حقه في التعبير عن قناعاته الدينية. ولا أظن شخصياً بأن الطب مجالٌ مناسبٌ لمن يضيق ذرعاً من مجرد تصريح أحدهم بما يراه حلالاً أو حراماً، بل تبدو حلبة المصارعة موقعاً لائقاً أكثر له.

لكن لا بد أننا "أسأنا التعبير"، وتمادينا وبالغنا في إساءتنا، حين أحطنا أنفسنا بأشخاصٍ محترفين، مدججين بالعلم والمعارف والخبرات والقدرات المتفوقة، لكنهم يقصّرون في إتمام وظائفهم عمداً، ويتهربون من تأدية أماناتهم قصداً.

ليست صدفةً أبداً أن البيطري قد يُفضّل أبشع ميتةٍ ممكنةٍ على طرح خيار القتل الرحيم على زبائنه، وأن أساتذة الأحياء يتجابنون من ذكر التطور أمام أصغر طلّابهم. بل وربما ترتعد فرائص التربويين قبل التحدث عن الأضرار طويلة الأمد لضرب الأطفال.

إنهم ضحايا الوعظ والنصح والإفتاء والجدال الذي نتوهم بأنه التتمة الطبيعية لكل حوارٍ يصل إلى مفترق الطرق بين ما يجوز وما لا يجوز، وبين ما يُقنع طرفاً ولا يُقنع الطرف الآخر. إنهم معذّبون بفوبيا الأسلوب التي نحترفه عند كل اختلافٍ، فنقوم باستنزاف طاقات الآخرين وأوقاتهم وحلمهم وحماستهم، لنطارد من خلالهم حلمنا في الإفحام و"الهداية". في الحقيقة، الدين يحمل ما يكفيهم من أدلةٍ وحججٍ تشرّع لهم رحمة التعارض معنا، بل وقد تعينهم على الردّ علينا والتصدي لنا.

ولكن كيف ألوم طبيباً بات أكبر همه هو أن يجد ما يكفي من كرات القطن في عيادته لحشو آذانه عن "النسخة الصوتية" التي أحملها من الدين، وأجاهر بها حيثما ذهبت؟ وكيف أتهمه بالتقاعس حين "يُخدّر" حاجته إلى أن يشاركني نصائحه واقتراحاته، فقط ليحفظ لقمة عيشه من هوسي بعقد المناظرات وإلقاء الخطب العصماء؟

قد لا ندرك الخسارة في أن نعيش في مجتمعاتٍ يتظاهر العارفون فيها بالجهل والبلادة والسذاجة لئلا يُجروا رغماً عن إرادتهم إلى مستنقعات الحوارات العقيمة، والمزايدات غير المرحّب بها على الدين والإيمان. بل ربما اعتدنا منهم هذا الصمت المُهيب أصلا!

إذاً متى ندرك الخسارة في أن يُفتح الباب على مصراعيه للجهلاء والأغبياء وأنصاف المتعلمين؟
T+ T T-