الإثنين 27 مارس 2017

عن الديناصورات وبيضها المتحجر

مجسم لديناصور آلي. (أرشيف)
مجسم لديناصور آلي. (أرشيف)


ديناصورات الصينيين وربما حيتانهم أيضا تتعرض للسرقة، بينما ديناصوراتنا وحيتاننا تسرقنا في وضح النهار العربي المعتم
من خبر خفيف قرأته اليوم، عرفت أن هناك بيضاً ديناصورياً متحجراً، وأن لهذا البيض هواة يجمعونه ويقتنونه باعتباره دلالة ثمينة على وجود الحيوان العملاق الذي انقرض بفعل التطور البشري على الأرض.

في الواقع لا أعرف إن كان الديناصور قد وجد حقاً في الأزمان الغابرة، لكن العلماء يؤكدون ذلك، وكذلك المتاحف التي تعرض هياكل عظمية غير مكسوة باللحم لديناصورات سادت ثم بادت، مثل شعوب وأمم كثيرة على الأرض.

ما يعنيني في الأمر تحديداً ليس حادثة سرقة ثمانين بيضة ديناصور في الصين، فلكل لص أسلوبه وهواه، لكن الخبر دفعني إلى التفكير بما تفعله ديناصورات العصر في العالم وفي بلادنا، فهذه الديناصورات البشرية التي لا تبيض تفتك بملايين إن لم يكن مليارات البشر في القارات المأهولة، وتأكل عرقهم قبل أن تعصر أجسادهم وتحاصرهم بالجوع والمذلة.

في عالمنا ديناصورات كثيرة منها ما يحمل أسماء دول كالولايات المتحدة والاتحاد الروسي، ومنها ما يحمل أسماء شركات عملاقة، ومنها ما يحتل مواقع سياسية وإدارية، ومنها ما يحمل ألقاباً ورتباً عسكرية، وهي كلها ديناصورات قاتلة تهدد الحياة على الأرض، وتعمل لتحويل الجنس البشري إلى جنس مهدد بالانقراض، دون أن يترك أثراً.. أو بيضاً يتحجر ويسرقه اللصوص.

ولعل حصيلة الموت اليومي في مناطق الصراع الملتهبة حول العالم تشي باحتمال زوال أمم وشعوب برصاص الحروب وجوع الحصارات والقهر الذي يحرق الروح. وربما كان من مفارقات واقعنا الفنتازي أن تتحالف الديناصورات التي كنا نظنها فانية مع الحيتان الثديية التي كنا نظنها أليفة في تهديد حياتنا وحصارنا بالموت القادم من كل الجهات بالرصاص وأرغفة الخبز المحشوة بالبارود. ومن ينظر إلى حال العرب في الألفية الثالثة يدرك ما نقول.

نحن محاصرون بديناصورات كبيرة تحمل أسماء دول كبرى أو عظمى، تقدم لنا الطحين وتطحننا في الميادين وفي الحروب، وتقدم لنا الرصاص لنقتل بعضنا به، وتجود علينا ببيانات الدفاع عن حقوق الانسان، وتعني الانسان الذي تقتله هي بخبزها المعجون بالذل ورصاصها الخارق للروح.

ونحن مقيدون برؤى وقرارات الديناصورات السياسية التي توزع هواها على كل جهات الأرض إلا شوارعها وشعوبها، وترف قلوبها لما يجيء من الغرب أو الشرق، ولا تدمع عيونها لموت العربي في ساحات الوغى الغبي، أو في مخيمات اللجوء، أو تحت سقوف البيوت الآيلة للسقوط على رؤوس ساكنيها الذين ينامون جوعى، ويتحركون بقوة الجوع عندما يصحون.. إذا صحوا.

ونحن مهددون بالموت في حصار الحيتان لرغيفنا الناشف الذي تحميه قرارات الحكومات بالدعم المقتطع من ميزانيات الدواء والتعليم والاسكان. لذا نحمي الرغيف ونحرص على مطاردته ولو تطلب الأمر إراقة دمنا بعد إراقة كرامتنا على عتبات حيتان البزنس.

أعود إلى الخبر الذي كان خفيفاً، والذي يتناول سرقة لص صيني لثمانين بيضة ديناصور متحجرة، والقبض على اللص الذي اقترف "الجريمة" لأعرض المفارقة الصادمة والتي تؤكد أن ديناصورات الصينيين وربما حيتانهم أيضا تتعرض للسرقة، بينما ديناصوراتنا وحيتاننا تسرقنا في وضح النهار العربي المعتم.

وأكتشف أخيراً بؤس محاولتي الفاشلة في الكتابة بعيداً عن السياسة.
T+ T T-