الجمعة 23 يونيو 2017

أسعد جابر: فقدت ثقتي في كلّ شيء بعدما سرقوا جهودي في الترجمة

المترجم وأستاذ اللغة العربية أسعد جابر (المصدر)
المترجم وأستاذ اللغة العربية أسعد جابر (المصدر)
كثيرون في العالم العربي لا يعرفون الدكتور أسعد جابر (مواليد العام 1946)، أحد أهم المتخصصين في اللغة الهولندية وأستاذ اللغة العربية وآدابها بجامعة ليدن الهولندية لأكثر من 35 عاماً.

ساهم جابر بالعديدة في الترجمة بين اللغتين العربية والهولندية، لعل من أهمها إشرافه على إصدار ترجمة القرآن الكريم وتفسيراته إلى اللغة الهولندية عام 2009، كما ترجم كتاب "هولندا والعالم العربي" الصادر عن وزارة الخارجية الهولندية، ونقل ديوان "لماذا تركت الحصان وحيداً" للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش مع المترجم الهولندي الكبير كيس نايلاند إلى الهولندية، والذي اشترك معه أيضاً في ترجمة مختارات شعرية لأدونيس صدرت مؤخراً عن دار نشر يورغن ماس بأمستردام، كذلك ترجم أسعد جابر ابن قرية "الطيبة" كتاب "الفن المعاصر والديزاين.. المغرب نموذجاً"، والذي صدر عن المتحف العالمي بروتردام عام 2005، وأخيراً ترجم رواية "بنات الرياض" للكاتبة السعودية رجاء الصانع بالاشتراك مع أنطون مسعد وأنّا كريس آيكلبوم، زوجته التي قام معها بترجمة العديد من الأشعار اليمنية التي واكبت الربيع العربي، ونُشرت بمجلة "زم.زم - ZemZem" الأدبية وبالعديد من الجرائد والدوريات الهولندية، عن رحلته الطويلة من قريته الفلسطينية وحتى حطّ به الرحال في مدينة ليدن الهولندية، كان لنا معه هذا الحوار:

سنوات طويلة ومشوار مثمر قطعه أسعد جابر الشاب الفلسطيني الذي غادر أرض مدينته يافا ذات يوم وحط الرحال في هولندا، كيف تستعيد هذه الرحلة الآن بعد كل هذا العمر في الغربة؟
أعتقد أني اعتدت مفردة الغربة، ذلك أن انتقالي من قرية "الطيبة" في المثلث بيافا إلى حيفا كان قرار والدي، بعد أن شعر بأن دخله من وزارة المعارف والثقافة لن يكفي للإنفاق على تسعة إخوة وأخوات في مدارس داخلية، لذا انتقلنا إلى حيفا وتبوأ والدي منصب مدير مدرسة "الأخوّة" فيها، والتحقت أنا بمدرسة تقنية تؤهل خريجيها الاستمرار في "التخنيون"، وهي الجامعة التقنية المتميزة، لأن والدي أرادني أن أكون مهندساً، لكني اكتشفت أني مغرم بالكلمات وليس بالأرقام أو المسطحات، لذا التحقت بالكلية العربية الأرثوذكسية بحيفا، ثم كان عام 1977 عاماً مفصلياً بالنسبة لي، إذ قررت مغادرة البلاد نهائياً بعد أن شعرت بأني أسير "محلك سرّ "، فقمت بجولة لدى إخوتي في إيطاليا وبلجيكا ثم هولندا، وبعد بضعة أيام من وصولي مدينة ليدن الهولندية أرسلت بطاقة بريدية إلى أصدقائي في حيفا قائلاً: "وجدتها.. وجدتها"، وقتها كنت بحاجة ماسّة إلى هذه النقلة الجذرية التي تضعني أمام تحدٍّ على عِدّة أصعِدة، لغة وثقافة وحضارة، وطبعاً ضرورة تدبير مصدر رزق لأني عزمت على البقاء في هولندا مهما كلفني الأمر، ووجدت عملاً في مصنع للمعلّبات، ومنحت نفسي خمس سنوات لأحصل على عمل في الجامعة، لكن بعد سنتين قدّمت أوراقي وشهادات خبرتي في التدريس إلى جامعة ليدن، وبعد مقابلات وإعطاء دروس نموذجية أمام دكاترة وصلني "الدخان الأبيض" عبر ورقة رسمية من الجامعة بالقبول. للحقيقة أدين بمقدرتي في اللغة العربية إلى الأستاذين صالح برانسي بالمدرسة الابتدائية في الطيبة (وهو من مؤسسي حركة الأرض)، والشاعر والأديب حنّا أبو حنّا في الكلية الأرثوذكسية العربية بحيفا، وأذكر أن أولى المفردات الهولندية التي استمعت إليها كانت (داخ - Dag) وتعني بالعربية هالّو، سعيدة، أو سلام، وكانت المفردة الثانية (موت - Moet) وتعني بالعربية لازم، يجب، ثم جاءت الثالثة وهي (طُخّ - Toch) وتعني: مع ذلك، فقلت أنا فعلاً "كالمستجير من الرمضاء بالنار"، أهرب من هناك لتقابلني لغة بلاد مليئة بما تركته ورائي، لكن مع مرور الوقت بدأت أتذوق اللغة إلى أن وصلت مرحلة التلاعب بألفاظها.

هل واجهتك مشكلات لغوية معينة في ترجمة آيات القرآن الكريم إلى اللغة الهولندية التي تتمتع بلهجات عديدة؟
لا أعتقد بأني أستطيع هنا سرد العديد من الإشكاليات التي قابلتنا أثناء الترجمة، خاصة في محاولتنا المحافظة على جرس يُقارِب ذلك التجانس الإيقاعي العربي المعجز، تلك محاولة تكاد تكون مستحيلة، فماذا لو أضفنا إلى ذلك تعدد التفاسير التي تراوح بين التطرف والاعتدال، والتي تنتهي عادة بكلمة "والله أعلم"! لكني أقول إنه لو سنحت لي الفرصة لإعادة صياغة الترجمة لطلبت ذائقة زميلي الراحل المقيم نصر حامد أبو زيد (1943-2010) وموسوعيّته، والذي كان لي شرف أن نكون جارين فزميلين فصديقين، لقد مات مسلماً مؤمناً بأن "الدين يُسر لا عُسر"، وبأن الله وهبنا جوهرة العقل والفهم السليم وحثّنا على استخدامهما، ألا ما أحوجنا إليك اليوم يا نصر، لكن عزائي في أن أرملته الدكتورة ابتهال يونس قد أنشأت مؤسسة تحمل اسمه، وجمعت فيها كافة مقالاته وكتبه وأبحاثه ومقابلاته التلفزيونية والصحافية، لتكون مرجعاً لطلبته، "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون"، وأعني بذلك الاجتهاد في فهم معاني القرآن الكريم.

كيف ترى حال الترجمة من اللغة الهولندية اليوم، هل ثمّة مترجمين عرب تعوّل عليهم حالياً في نقل بعض كنوز الأدب الهولندي إلى اللغة العربية، أم أنك فاقد الأمل بخصوص هذه النقطة؟
بالنسبة إلى ترجمة الأدب العربي إلى الهولندية وبالعكس، فالمقياس هو السوق، ذلك أن دور النشر تريد إصدارات تعود عليها بالربح، ناهيك عن عقبة التمويل، أعتقد أن المؤسسات العربية المتواجدة على الساحة يمكنها المساهمة في ترجمة عيون الأدب العربي وطبعاً لها التحية والإكبار على ما تقوم به، إضافة إلى أنّ هناك ضرورة لوضع لائحة بالأدب الهولندي الواجب ترجمته إلى العربية، ذلك أن هناك العديد من المترجمين العرب المرموقين، ويجب ألا ننسى أنه بالرغم من صِغر مساحة هولندا وقلة عدد سكانها، إلا أنها تلعب دوراً بارزاً على الساحة الدولية، وخير وسيلة لمعرفة ديناميكية الشخصية الهولندية وحيويتها ومقوماتها هي ترجمة آدابها وفكرها وفلسفتها. لابُد أن أشيد هنا بدور زميلي يان هوخلاند الذي ترأس هيئة أشرفت على إصدار قاموس عربي/هولندي وهولندي/عربي، على أسس علمية معتمداً على قاعدة بيانات عريضة، ومستفيداً من خبرة أكاديميين كبار أمثال كيس فرستيخ ومانفريد فويديش، علاوة على كوكبة من الباحثين العرب والهولنديين.

نعرف أنك كنت ضحية واقعتين شهيرتين في سرقة ترجماتك من قبل بعض الدخلاء على الوسط الثقافي العربي، الأولى كانت ترجماتك لنماذج من الشعر الهولندي المعاصر إلى العربية، والأخرى إنكار جهدك في ترجمة نصوص لشاعرة عربية إلى اللغة الهولندية، وتم تغييب اسمك من على غلاف الكتابين، هل نطمع في أن نسمع منك الحكايتين كي تكون شهادتك الأولى عن الحادثتين أمام القراء؟
هذا جرح آلمني كثيراً لأنه أثّر في رد فعلي على آخرين لا علاقة لهم بما حدث، وتفصيل ذلك هو التالي: حصل أحد الشعراء العراقيين المقيمين في هولندا على تمويل من صندوق ترجمة الأدب الهولندي، فاتفقنا على أن نقوم بترجمة قصائد لشعراء قمت باختيارهم كي يمثلوا مسار الشعر الهولندي بعد الحرب العالمية الثانية وحتى صدور الكتاب عام 2011، لأني لصيق بهذا الموضوع ومتابع حريص على قراءة ما يصدر من دراسات وأبحاث تتناول الحركة الشعرية الهولندية، إضافة إلى أن مكتبتي تضم مجموعة من مؤلفات ومدارس الشعراء الهولنديين وفئاتهم العمرية المختلفة، للحقيقة قام هذا الشاعر بترجمة بعض القصائد وأرسلها إليّ وطار إلى بيروت لعمل ما هناك، لكنني وجدت أن القصائد التي ترجمها لا تمثّل صاحب الشعر ولا تشي بتطوره، علاوة على أنه ترجم القصائد ترجمة معجمية دون الانتباه إلى تركيب الجملة الهولندية، لذا جاءت ترجمته مغلوطة، لأن لغته الهولندية ركيكة جداً، فاضطررت إلى ترجمة القصائد المختارة وأعدت ترجمة ما اختاره هو ولم أصححه لتوفير الوقت والجهد، وأرسلت الملف كاملاً إليه أثناء وجوده في بيروت، فما كان منه إلا أن اتصل بي مرّة وحيدة يتيمة ليسألني ماذا سيكتب عني في الإصدار، فقلت له "مترجم وأكاديمي"، وعندما عاد إلى هولندا ومعه الكتاب وجدت اسمه فقط على الغلاف، فيما تم تغييب اسمي ولم يذكر إلا داخل الكتاب في الصفحة السابعة بوصفي كاتب المقدمة! أي أن القارئ يعرف أن المترجم بألف لام التعريف هو هذا الشاعر، بينما عبدكم الفقير لم يكتب غير المقدمة، وعندما سألته عن سبب هذا الخلل قال لي إن الناشر هو مَن اختار ذلك! وهذا كذب أيضاً، أن يدّعي معرفته باللغة الهولندية هذا شأنه، أما أن يضيف بأنه هو من ترجم القصائد فهذا كذب في كذب و"بجاحة"، هذه الحادثة نزعت ثقتي بالشعراء وتسببت في إضاعة الفرصة على شاعر دمث صادق هو "موفّق السواد" الذي كنت وافقت على ترجمة ديوانه مع زميلي كيس نيلاند، بعد أن حصل على الضوء الأخضر من دار النشر، لكن تصرف هذا الشاعر العراقي قلب كياني، بودي أن أعتذر لموفق السواد على هذا التصرف: آسف يا عزيزي، لكن الطعنة كانت في الصميم.

وماذا عن الضربة الثانية؟
الثانية كانت عندما أنجزنا زميلي كيس نايلاند وأنا ترجمة ديوان لشاعرة فلسطينية بتكليف من الفرع البلجيكي لمؤسسة القلم الدولية "Pen Vlaanderen"، فإذا بغلاف الديوان مطرز باسم مترجمة أخرى اسمها نسرين مباركي إلى جوار اسم صديقي كيس نايلاند، فيما حذف اسمي من على الغلاف وذُكر فقط في داخل الداخل أني راجعت النصوص، وهذا كذب أيضاً، ولديّ النصوص التي ترجمناها أولاً ثم تصحيحاتنا، وقد قارنتها بما نُشِر فإذا هي هي أو فإذا هي إيّاها، وأظن بأن زميلي كيس نايلاند الخجول لم يُجادل، ولربما هناك تأثير ما لنسرين مباركي على المؤسسة التي مولت وأصدرت الترجمة، أما أن تدّعي بأنها مَن قام بالترجمة فهذا هراء ما بعده هراء، خاصة إذا قارنّا خبرتنا زميلي كيس وأنا في ترجمة قصائد معظم الشعراء العرب الذين كانوا ضيوف مهرجانات الشعر العالمي في روتردام، بالإضافة إلى خلفيتنا الأكاديمية في تدريس الأدب المقارَن شعراً ونثراً ومقاربته بالشعر الهولنديّ.

دعنا نرجع قليلاً إلى بداياتك في مدينة ليدن الهولندية في سبعينيات القرن الماضي، كيف خبرت الغربة آنذاك في هذه المدينة الأوربية؟
أكاد أجزم بأن استقراري في مدينة لصيقة بليدن وأعني بها أوخستخيست والتي تحمل اسمها رواية للأديب والنحات الهولندي الشهير "يان فولكرز" (1925-2007) وهي رواية "العودة إلى أوخستخيست" والتي نشرها عام 1965، واصفاً فيها التغيرات المجتمعية والحياتية والثقافية التي طرأت على مدينته، كان له الأثر الكبير على حياتي آنذاك، فما أن أُسأل عن مكان سكناي وأُجيب باسم المدينة، حتى يرد سائلي بعنوان الكتاب، فبدأت بقراءتها ومقارنتها بروايات أخرى مثل "عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني. أما عملي في جامعة ليدن فقد قرّبني وجعلني أشاهد تلك المخطوطات والكتب النادرة التي تزخر بها مكتبة الجامعة، والتي أذكر أننا كنّا نشاهد نسخاً مصوَّرة منها في جامعة حيفا وقد كتب عليها عبارة: "طُبِعَ في ليدن المحروسة"، كنت أردد حينها بيني وبين نفسي: "ياه.. أنا هنا وها هي ليدن العريقة"، وأذكر هنا مثالاً "طوق الحمامة لابن حزم". لابُدّ هنا من الإشارة إلى مطبعة بريل التي قامت بنشر "دائرة المعارف الإسلامية" وإصدار "المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي"، إلى جانب المؤلفات الجغرافية والتاريخية. أما النقطة الأهم فكانت أنني أدرِّس في بيت أحد أشهر المستشرقين الهولنديّين (قبل انتقال الجامعة إلى مبنى آخر حديث) وهو "كريستيان هرخرونيه" (1857-1936)، والذي اعتنق الإسلام وتسمّى بعبد الغفّار وتتلمذ على أيدي علماء مكة، كنت أدرِّس في داره وروحه تجول من غرفة إلى أخرى، ولعلي أُضيف مُصادفة أُخرى وهي أني سكنت في تلك الفترة في بيت البروفيسور "يوهانِّس هِنْدرِك كرامِرز" (1891-1951)، الذي كان أول من قام بترجمة معاني القرآن الكريم مباشرة من العربية إلى الهولندية خلال الحرب العالمية الثانية، وقتها أرتني أرملته الكريمة "بيت السلم" حيث كان يجلس لساعات وساعات وهو يعمل على ترجمة معاني القرآن، ولم تتردد قبل وفاتها في أن تورثني 5 منمنمات فارسية قديمة، كان من محاسِن الصُّدَف أن أسكُن في بيت " كرامِرز" وفي مدينة "فولكِرز"، وأُدَرِّس في مدينة ليدِن العريقة، وبالمناسبة تأسست جامعة ليدن عام 1575 وكانت هديّة الملك "فلم البرتقالي" لسكان المدينة الذين صمدوا في وجه الحصار الإسباني، وهي من أوائل الجامعات الأوروبية التي بدأت بتدريس اللغة العربية وذلك عام 1634، وكان الهدف من ذلك هو الاستعانة بمعجمية العربية لترجمة التوراة ترجمة تنشر العقيدة البروتستانتية مقابل الكاثوليكية في جنوب البلاد، وبالرغم من أن هناك فصلاً بين الكنيسة والدولة، إلا أن هناك أحزاباً دينية في البرلمان وهناك منطقة "حزام التوراة" التي يسكن فيها غلاة المتدينين الذي يرفضون حتى تطعيم أولادهم ضد الأمراض، ومن يتجول اليوم في ليدن يشاهد هلالاً فوق بناية البلدية كتب عليه "التركي ولا البابا"، لنقارن ما كان أيامها بما يحدث الآن مِن رفض لقدوم اللاجئين السوريّين والتنديد بهم، يمر أمامي الآن شريط من وجوه زملائي وقد لمع كلّ منهم في مجاله، هذا هو المختبر الذي ألقيت نفسي في آتونة راضياً فإن نجحت أكون قد كافأت نفسي على مثابرتي في التركيز على محيطي ولغتي الجديدة، أعتقد بأن هذا هو سبب تركيزي على الداخل الهولندي متابعاً الأدب الأصلاني نثراً وشعراً، ومهتماً بما يقدمه القادمون الجُدد، وتحديداً من ذوي الأصول العربية، لأني واحد منهم وإن اختلف التخصص، لذا تجدني أشعر بالفخر ولا أخجل من القول بأني أول من ألقى محاضرات عن هذه الكوكبة من الأدباء الشبان في أمسيات كان ينظمها الكاتب والناقد العراقي المرموق ياسين النصير في مؤسسته "أكّد"، فالمقارنة الأدبية هي عشقي، نثراً كانت أم شِعراً، فما بالك إذا جاءت بلغة أخرى جديدة المذاق، إنه إغراء لا أستطيع مقاومته. أذكر من هذه الكوكبة التي وضعت بصمتها على الساحة الأدبية الهولندية الروائي عبد القادر بن علي، الشاعر مصطفى ستيتو، والروائي والمترجم الدقيق لعيون الشعر العربي حفيظ بوعزة والممثل والشاعر رمزي نصر والروائي سعيد حجي والروائية نعيمة البزاز وغيرهم.

هل عملك في جامعة ليدن هو الذي أتاح لك هذا التوغل في عالم الأدباء والشعراء الهولنديين والعرب على حد سواء، أم كانت ميولك الأدبية هي السبب وراء ذلك، وكيف جاء إشرافك على ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الهولندية؟
بالطبع عملي في جامعة ليدن هو ما أتاح لي بالأساس الالتقاء بكوكبة من الأدباء والشعراء والمفكّرين العرب، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر كاتب القصة القصيرة المصري يوسف الشاروني، وأعتزّ بأني كنت حاضراً مخاض ميلاد رائعته "ضيِّق الخُلق والمثانة"، والدكتور الدمث محمد سليمان السعودي عميد شؤون الطلبة في جامعة الطفيلة بالأردن، والشاعر الإنسان فرج بيرقدار الذي يخشى اللغة المترهلة، فيحيلها إلى قسم "التخسيس" لتصبح هيفاء القوام، "مؤسسة الهجرة" أيضاً كانت منبراً أدبياً يجمع الأدباء والشعراء والفنانين والمفكرين العرب بنظرائهم الهولنديّين، وترجمت نصوص العديدين منهم، وطبعاً هناك مهرجان الشعر العالمي في روتردام، وهو حفل سنوي أقوم أنا وزميلي كيس نيلاند بترجمة قصائد الشعراء العرب ممن يدعون إليه إلى الهولندية، وممن ترجمنا قصائدهم الشعراء: مريد البرغوثي ومحمد الحارثي ونجوان درويش ودنيا ميخائيل وأمجد ناصر، أما عن ترجمة معاني القرآن إلى الهولندية ففي عام 1992 عرض عليَّ البروفيسور "هانس يانسن" (1942-2015)، أن نعمل معاً على إصدار تنقيح وتبسيط لترجمة معاني القرآن الكريم التي كان أصدرها البروفيسور كرامرز، خاصة وأنّ هناك مفردات كثيرة لم تعد متداولة، فوافقت على أن يكون تفسير "البيضاوي" أساساً لهذا الإصدار، وعلى أن نتفق من قبل على نقاط الخلاف المعروفة، وأن نحاول الإحالة إلى التوراة بعهديها القديم والجديد إلى المواضيع المشتركة كي يصل عملنا إلى أكبر عدد ممكن من المتحدثين باللغة الهولندية، علاوة على أني طلبت الاستعانة بالترجمة العبرية التي كان أصدرها "يوسيف يوئيل ريفلين" عام 1936، على الرغم من ابتعاده عن التفاسير الإسلامية في بعض الموضوعات، فوافق، وقد حصلنا تقديراً لعملنا هذا على جائزة العمل الأكاديمي المتميز لسنة 1992. وطبعاً هناك زملاء آخرون أصدروا ترجمات لمعاني القرآن الكريم أجلّهم وأقدِّر جهدهم وأعرف مقدار الجهد الذي بذلوه وأذكر منهم الزميل فرِد ليمهاوس والمترجم القدير سفيان سيريغار.

إلى جانب عملك الجامعي أستاذاً للأدب العربي بجامعة ليدن، ساهمت لسنوات في العمل الإذاعي عبر إذاعة هولندا العالمية في هيلفرسوم، كيف كانت رحلتك في هذه الإذاعة؟
كانت تجربة جميلة أثقلت خبراتي، وسعدت بعملي مع محمد بلجون الإذاعي القدير الذي أخذ بيدي ودربني على تنقيح أي خبر وكيفية بث الروح فيه ليصبح "الخبر"، طبعاً هناك الراسخون في هذا الفن من أمثال صلاح نجم وفتحي المورالي وغيرهما، أو من الذين تدربوا في هولندا ووجدوا طريقهم للعمل في قنوات أخرى في طفرة القنوات التليفزيونية. هولندا الثمانينات كانت تنعم بفترة رخاء وبحبوحة تمثلت في إرسال العديد من الخبراء الهولنديين إلى عواصم العالم العربي في مجالات المياه وحقوق النساء والمشاريع الصغيرة والصحة والنظافة وتربية الأطفال، وطبعاً كان هناك السلك الدبلوماسي، كل هذه الكوادر كانت تتدرب في المعهد الملكي للمناطق الاستوائية في أمستردام. وقد حالفني الحظ في أن أعمل مع زملاء أذكر منهم أمين العارف وزكي درويش وإخلاص الزعبي. كنا فريقاً يدرّس العربية والمثاقفة أي كيفية التعامل مع الآخرين، وقد عملت هناك حوالي 10 أعوام وضعنا فيها كتاباً لتدريس العربية مبنياً على المحادثات المبسطة التي تتناول مواقف مختلفة، وقد استفدنا من هذه الدورات في كيفية تطويع اللغة لتكون مباشرة تفي بالغرض المطلوب. وقتذاك عاصرت في أروقة جامعة ليدن التي قضيت في رحابها وأروقتها 35 عاماً، أستاذ كلية الدراسات الإسلامية والعربية البروفيسور يان بروخمان الرقيق الحازم، العازف على البيانو والذي كان قد درس القانون الوضعي والشريعة، وكان ملحقاً ثقافياً في السفارة الهولندية بالقاهرة ومديراً للمعهد الهولندي-الفلمنكي أيضاً بالقاهرة، وطبعاً هناك الزميل وليم ستوتزر النحوي الذي يُعتبر كتابه في النحو والصرف مرجعاً لا يُستغنى عنه للراغبين في فهم نحو اللغة العربية وصرفها، والجدير بالذكر أنه استخدم قاعدة بيانات ضخمة كان يختار منها الجمل الصالحة لشرح هذه القاعدة أو تلك، تخصص وليم في عروض الشعر العربي وكانت أطروحته للدكتوراة فيه، وكان عازف بيانو لا يتوانى إن دخلنا مقهى ما وكان هناك بيانو أن يعتلي الكرسي وبعد دندنة خفيفة يسلطن في لحن من ألحان أم كلثوم، كما ترجم رباعيات صلاح جاهين وكانت على لسانه بشكل دائم، علاوة على أن حديثنا معاً كان باللهجة المصرية، فإن أردنا السخرية من شيء فبالفُصحى، كذلك زاملت البروفيسورة ريمكة كروك المتخصصة في العلوم والفلسفة الإسلامية في القرون الوسطى وكانت أستاذ كرسي الدراسات العربية والإسلامية، وكذلك أستاذ كرسي الإسلام في أوروبا الغربية شورد فن كوننغسفيلد والحالي ماوريتس بيرغر، ثم جاء دور الطلاب الذين تخرجوا من جامعتنا أن يتصدروا المشهد العلمي والحياتي، فها هي البروفيسورة بيترا سايبِستاين المتخصصة في البرديات التي تتناول فترة الفتح الإسلامي لمصر تتسنم كرسي الدراسات العربية والإسلامية في جامعة ليدن، وهناك بيترا ستينين الدبلوماسية التي عملت في مجال حقوق الإنسان والتي طلقت الدبلوماسية لتصبح عضواً في مجلس الشيوخ الهولندي (الغرفة الأولى) وهناك كثيرون لا يتسع المجال لذكرهم.

ختاماً، هل يمكن أن تطلعنا على مشاريعك الثقافية المقبلة؟
طبعاً لديّ مشاريع جديدة، وليسرقوا الفكرة لكنهم لن يسرقوا العمل، ينضوي هذا المشروع تحت إطار الرحلات بين "الشرق والغرب"، وهذه المرة عن رحلة قام بها الصحفي ورجل الدولة واللاهوتي الكلفيني الهولندي الإصلاحي "أبراهام كويبر – Abraham Kuijper (1837-1920)، الذي أنشأ جامعة أمستردام الحرة والحزب المناهض للثورة، وكان رئيس وزراء هولندا في الفترة ما بين (1901-1905)، وهو من نادى بأن تكون لكل من الكاثوليك والبروتستانت والعلمانيين مدارسهم وجامعاتهم ومؤسساتهم الاجتماعية المنفصلة، وقد سطر رحلته هذه في كتاب بعنوان "حول البحر المتوسط"، ومؤخراً قام هولنديان بتعقب آثاره في رحلته هذه ليرصدا التغيرات التي ألمت بالأماكن التي زارها ووثقا رحلتهما في فيلم وثائقي، مقارنين بين ما شاهده وبين ما عايناه.

محطات في حياة أسعد جابر
• ولد سنة 1946 بقرية الطيبة التابعة لمدينة يافا الفلسطينية.
• هاجر من فلسطين إلى هولندا سنة 1977 واستقر بمدينة ليدن الهولندية حتى اليوم.
• قام مع البروفيسيور الهولندي"هانس يانسن" بالإشراف على ترجمة القرآن الكريم وتفسيراته إلى اللغة الهولندية والذي صدر في العام 2009، وهو العمل الذي نالا عنه جائزة العمل الأكاديمي المتميز عن السنة ذاتها.
• أستاذ اللغة العربية وآدابها بجامعة ليدن الهولندية لأكثر من 35 عاماً.
• ترجم ديوان "لماذا تركت الحصان وحيداً" لمحمود درويش مع المترجم الهولندي الكبير كيس نايلاند إلى الهولندية
• ترجم مختارات شعرية لأدونيس بالاشتراك مع المترجم الهولندي الكبير كيس صدرت عن دار نشر يورجن ماس بأمستردام.
• ترجم كتاب "الفن المعاصر والديزاين.. المغرب نموذجاً"، والذي صدر عن المتحف العالمي بروتردام عام 2005
• ترجم رواية "بنات الرياض" للكاتبة السعودية رجاء الصانع بالاشتراك مع أنطون مسعد وأنّا كريس آيكلبوم
T+ T T-