الإثنين 24 أبريل 2017

الموت الحلال والوسيلة المباحة

الحرب في سوريا
الحرب في سوريا


كل العرب يحبون سوريا، وقبل أن تُبتلى بهذه الحرب المدمرة، كنت تشاهد دمشق تزدهي بحلة قشيبة يلونها زوراها من جميع أنحاء العالم العربي، الطقس المعتدل وماء الفيجة المثلجة في عز الصيف، والهواء العليل.

كانت سوريا واحة خضراء في حياتنا، كل ذلك لم يعد موجوداً، كأن القديم الجميل مات بسكتة قلبية، وحل محله جديد بائس فيه تصنيف للموت، بمقياس هذا مسموح به وهذا ممنوع.

حصد الأرواح بالرشاشات والمدافع مسموح به، تدمير أحياء بالبراميل المتفجرة متغاضى عنه، إعدامات بالجملة تُذكر بالأخبار ولا يوضع معها جملة محرمة دولياً، غرق المئات أو آلاف في البحر، الذي مهما كان خطراً إلا أنه أكثر أمناً من المدن المستباحة، وهذا أيضاً أصبح معتاداً.

تحرك العالم بقوة بعد مجزرة الكيماوي في غوطة دمشق، والمجزرة التالية في خان شيخون، وبدا للمراقبين أن الحرب اختصرت بهاتين الواقعتين، فكان الدرس الأخلاقي الكامن وراء هذه المفارقة، هو أن الأداة أهم من الهدف، وأن هنالك موتاً حلال وآخر حرام.

في سوريا الجميلة يتصارع العالم على تقاسمها، وكل متر مربع من أرضها تستولي عليه فئة ما يقابله جثة على الأقل، ولاجئ يتسابق مع الموت من حارة إلى أخرى، وإن كان ميسوراً فإما أن يركب البحر أو يهيم على وجهه نحو بلاد أخرى.

تقاسم نفوذ بائس على الأرض يقابله تقاسم بشر في عالم اللجوء، وإذا كان القتيل داخل سوريا قد كلّف قاتليه آلاف الدولارات، فإن للاجئ خارج سوريا كلفة تتقاسمها الدول، فمن يصلح لإثراء الاقتصاد مرحب به، ومن يشكل عبئاً على الاقتصاد يُنظر في أمره ليعرض على السوق الدولية كرقيق أبيض ولكن في هذه الحالة ثمنه معه.

الذين يتقاتلون على أرض سوريا ماذا سيتقاسمون بالضبط؟ وما هي المزايا التي يسعون إليها من وراء تدمير بلد وشعب؟ ولو استمرت الحرب سنوات أخرى ويبدو أنها مرشحة لذلك، فلن يكون على الأرض ما يمكن اقتسامه سوى الأضرحة أو ما يشبهها، وهذه هي حالة من يدفع قليلاً لكي يدمر ليكسب كثيراً لكي يعمر، وأي عمار يُرتجى بعد أن صار الموت الحلال والحرام علامة تجارية لسلعة اسمها سوريا.

روسيا الصديق التقليدي لقضايا العرب، تسعى لتحقيق حلم راودها على مدى عقود وعنوانه السباحة في المياه الدافئة، وأمريكا تُدخل مأساة سوريت كناخب حاسم في سباقات الرئاسة وفق معادلة الفائز إما أن يغض الطرف عن الدمار او يمارسه، وإيران تريد رؤية أمجاد الامبراطورية الفارسية، بعد أن تتحول البيوت إلى مراقد، وتركيا سليلة الامبراطورية العثمانية تحارب بلا هوادة كي لا تقوم للأكراد على حدودها قائمة، والسوريون وأحباءهم يسددون فواتير هذا كله، ويُعرضون في المزادات الدولية كضحايا لجهة مجهولة، فكل قاتل في سوريا بريء من دم من قتل، وكل مقتول مات وهو يتساءل لماذا.

البشرية والإنسانية والحضارة تموت كل يوم، وصارت مفردات بلا معنى، فأين نسوق هذه الكلمات بعد ست سنوات من القتل اليومي والموت المباح، كيف نحترم من يقتل طفلاً لأي سبب، أو يشرد عائلة تحت شعار ما، فما فائدة أي هدف إذا كان ثمنه هذا الكم الهائل من الجثث والركام والهجرة الجماعية إلى أعماق البحار.

صار الموت حلالاً إذا وجد شعاراً يغطيه، وصارت أداته مجيدة إذا لم تندرج تحت قائمة المحرمة دولياً، حقاً إنه عالم تجرّد من القيم حين صنف الموت ووسائله وأدواته، وإذا كنا نعرف اليوم كم قتيلاً سقط، فلن نعرف غداً أو بعد غد كم بقي على قيد الحياة.
T+ T T-