الأربعاء 20 سبتمبر 2017

أوروبا التي تنتخب



أمم أوروبا الثلاث الأكبر والأهمّ، أي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، ستتوجّه تباعاً إلى الانتخابات العامّة. صحيح أن انتخابات بريطانيا هي وحدها المفاجئة وغير المتوقعة فيما انتخابات فرنسا وألمانيا مقرّرة سلفاً، لكنْ يبقى أنّ الموسم الانتخابيّ العريض هذا سيكون ذا دلالة لا تخطىء: أيّ خيار سيكون متاحاً لأوروبيّة أوروبا، وأيّ فرصة ستكون متاحة لقواها الشعبويّة؟

الخبر الأخير جاء من بريطانيا: رئيسة حكومتها المحافظة تريزا ماي أعلنت عن أنّ البلد سيتوجّه إلى انتخابات عامّة في حزيران (يونيو) المقبل. الواضح أنّ ماي – التي حلّت محلّ ديفيد كاميرون إثر استقالته بعد استفتاء بريكزيت – تريد تحويل هذه الانتخابات منصّة لشرعيّتها وشرعيّة عهدها، كما تسعى إلى تعزيز موقعيها، القياديّ داخل حزبها والتفاوضيّ حيال أوروبا التي قرّرت أكثريّة البريطانيّين مغادرتها. الضعف البالغ الذي يعانيه حزب العمّال المعارض بقيادة جيريمي كوربن هو فرصتها الراهنة الثمينة لإجراء تلك الانتخابات. لهذا يُفترض ألاّ تكون هناك مفاجآت كبيرة في الأفق، لكنْ يُرجّح أن تظهر مفاجأة نسبيّة تتّضح تداعياتها تدريجيّاً ولاحقاً: إنّها صعود الحزب الثالث، حزب الليبراليّين الديمقراطيّين الذي تراجعت شعبيّته كثيراً في السنوات القليلة الماضية. إلاّ أنّ شرط هذا التحوّل هو نجاح الحزب المذكور في استقطاب جميع الرافضين لبريكزيت أو الذين يريدون تطبيقه بالحدّ الأدنى ومع البقاء ضمن السوق الأوروبيّة المشتركة. بلبلة حزب العمال حيال أوروبا تخدم الليبراليّين الديمقراطيّين وقيادتهم الشابّة في مسعاهم هذا بوصفهم الحزب الأكثر راديكاليّة في أوروبيّته.

أيضاً ألمانيا غير مرشّحة لأن تحمل للعالم مفاجآت كبرى. المفاجأة النسبيّة المحتملة هي حصول حزب "البديل من أجل ألمانيا" الشعبويّ والمناهض للهجرة والمسلمين، على نسبة تأييد شعبيّ أعلى. مع ذلك، نجح الحزبان الرئيسيّان ليمين الوسط (المسيحيّ الديمقراطيّ) ويسار الوسط (الاشتراكيّ الديمقراطيّ) في استيعاب التيّارات الأعرض للحياة السياسيّة في البلد. لقد أمكن ضبط ردود الأفعال القصوى على سياسات الهجرة واللجوء التي اتّبعتها المستشارة أنغيلا ميركل، ومن ناحية أخرى، نجح مارتن شولتس، قائد الاشتراكيّين الديمقراطيّين، في تطوير معارضة عقلانيّة لميركل تقطع الطريق على الاستثمار الشعبويّ في "مناهضة النُخب".

فرنسا شيء آخر. دورتها الانتخابيّة الأولى التي ستُجرى بعد أيّام قليلة (الأحد المقبل) ستكون أخطر أحداث أوروبا وأهمّها. لن يفوقها خطورة وأهميّة إلاّ الدورة الثانية التي سيتواجه فيها المرشّحان اللذان ينالان النسب الأعلى من التأييد في الدورة الأولى.

مارين لوبين، زعيمة "الجبهة الوطنيّة" شبه الفاشيّة ستكون بالطبع أحد هذين الاثنين، لكنْ ما هي بالضبط نسبة الأصوات التي ستحرزها؟ ومن الذي سيكون منافسها (الذي يُرجّح!؟ أن يهزمها في الدروة الثانية): فيّون اليمينيّ أم ميلانشون اليساريّ أم ماكرون الوسطيّ؟ كلّ إجابة هي معنى بذاته وهي احتمال للمستقبل، خصوصاً ما يتّصل منه بعلاقة فرنسا بأوروبا، ومستقبل المشروع الأوروبيّ تالياً.

لكنّ تفصيلاً صغيراً دخل على هذا الخطّ من خارجه. إنّه التحوّلات الأخيرة للرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب. فمن دون أيّ تماسك أو ترابط تخلّى ترامب عن بعض سياساته الأولى وبدا أنّه يعتنق سياسات جديدة. فبدل الالتحاق بروسيا – بوتين، ظهرت الخلافات معها. وبدل اعتبار حلف الناتو بائداً، ساد الإطراء الأمريكيّ لحلف الناتو. هذه خصوصاً ستكون لها انعكاسات واضحة على أوروبا، ويُفترض أن ترفع معنويّات الليبراليّين فيما تحرم الشعبويّين ما توقّعوه من دعم وتأييد.

وعلى العموم يمكن القول إنّ فرنسا هي التي يُعوّل عليها أن تردّ على الهزيمة التي عاناها المشروع الأوروبيّ في بريطانيا. فهل تفعل فرنسا، وتنتصر للخطّ الألمانيّ، في هذا الموسم الانتخابيّ؟
T+ T T-