الإثنين 24 أبريل 2017

خارج الصورة.. جيرة مروان البرغوثي



مروان البرغوثي، الرجل ببنيته القصيرة المتينة ومشيته المتعجلة وملامحه، التي تحتفظ بطفولة ما خلف ملامح الثائر القوي، هو جاري في قرية "كوبر" شمالي رام الله.

جاري الذي لم التقه إلا مرات قليلة لم تكن مقصودة، ولكنها كافية للتذكر، كافية للحديث عن جار كان يصعد، لسنوات طويلة، سفح الجبل الصخري الصغير قبل أن ينعطف يميناً نحو بيت العائلة.

و"كوبر" إحدى ثلاث قرى في شمال رام الله تتوزع فيها عائلة البرغوثي، "دير غسّانة" و "بيت ريما" و"كوبر"، "دير غسانة" هي عاصمة العائلة.
على جدار منزل في المفترق الذي يؤدي إلى رام الله، غير بعيد عن بيتي، علق أبناء القرية صورة مرسومة لمروان تم تكبيرها على قماش محاطة برايات شبية فتح، التي كان أحد أهم مؤسسيها، بلونها الأصفر وأعلام فلسطين.

الريح التي تموّج القماش كلما هبت في ذلك الممر الجبلي حيث شقت الطريق تمنح الوجه، الذي بذل الرسام جهداً واضحاً في تصليب قسماته، تبدّد عمل الرسام وإخلاصه وتكشف عن منطقة الطفولة في ملامح مروان.

مروان البرغوثي، أيقونة شبيبة فتح، الذي يقود منذ أيام إضراب الأسرى الفلسطينيين في واحدة من أهم المواجهات مع الاحتلال الإسرائيلي، الرجل الذي قال "آرييل شارون" عند اعتقاله في 15 أبريل(نيسان) عام 2002: "آسف لإلقاء القبض عليه حياً، كنت أفضل أن يكون رماداً في جرة". فيما قال وزير دفاعه "شاؤول موفاز": "اعتقال البرغوثي هو هدية عيد الاستقلال التي يقدمها الجيش للشعب الإسرائيلي وضربة قاتلة للانتفاضة". بينما علّق المستشار القانوني لحكومة شارون "الياكيم روبنشتاين"، في ذلك الحين: "البرغوثي مهندس إرهابي من الدرجة الأولى وقد راجعت ملفاته طوال ثلاثين عاماً ووجدت أنه من النوع الذي لا يتراجع ولذلك يتوجب إن يحاكم بلا رحمة وأن يبقى في السجن حتى موته".

الشاب الذي اعتقل وهو في الرابعة والأربعين في أحد أحياء رام الله، وبدا موته أقرب إلى "أمنية وطنية" في "إسرائيل"، يقترب من الستين في زنزانته الآن، بينما هنا في "كوبر"، حيث ولد وكبر بين أشقائه وسار على قدميه من البيت إلى مدرسة "الأمير حسن" في بير زيت، يبدو بهيئته، التي يمكن تذكرها جيداً، وروايتها مزيجاً استثنائياً من الإبن والأب والشقيق.

لم يصعد مروان البرغوثي منذ اعتقاله، الطريق الضيقة، التي تم تعبيدها الآن، ولم ينعطف بتلك الهيئة الخاصة المتعجلة نحو بيت العائلة، الذي جرى تجديده وإضافة أقسام جديدة، 15 عاماً هو زمن كثير، يكبر الأولاد خلاله ويتزوجون، الأولاد الذين كانوا يثيرون الجلبة والفوضى في طريقهم لمدرسة القرية، جرى بناء مدرسة وتطوير ملاعبها، يعودون من أعمالهم ووظائفهم بأكياس خضار وحاجات البيوت، يعبرون أمام اللوحة وتحت الرايات والأعلام ببساطة من يعرف أثاث بيته، ويصعدون الطريق الضيق المعبد في طريقهم الى أحواش المنازل.
    
هنا في هذه التلال التي فسرها لي، قبل أن يرحل، الشاعر "حسين البرغوثي"، يمكن فهم ظاهرة مروان، بعيداً عن الجرائد والفضائيات والمؤتمرات الصحفية. يمكن تلمس الثقة العميقة التي تحيط به، والتي يعرفها العابرون في شوارع القرية والصغار الذين يواصلون اللعب والجلوس في ظل الصورة المكبرة على قماش تموجه الريح، فيبصرون لحظة الطفولة في ملامح الرجل الذي لم يلتقوه، بمصادفة أنهم ولدوا بعد اعتقاله، ولكنهم على استعداد ليحدثوك عنه طويلاً. 
T+ T T-