الإثنين 24 أبريل 2017

ذاكرة رمزية استعادية أم ذاكرة كونية كبرى!

  غلاف كتاب "العرب والغصن الذهبي". (أرشيف)
غلاف كتاب "العرب والغصن الذهبي". (أرشيف)


لو تمعنا في الأحداث السياسية حول العالم كله وليس فقط في منطقة الشرق الأوسط الجديد فلابد لنا أن نعثر عن ذاكرة ماضوية تأسيسية استعادية لاتزال تؤثر في الحاضر وتصنع المستقبل
لفت انتباهي في كتاب"العرب والغصن الذهبيّ" للمستشرق الأمريكيّ من أصول أوكرانية ياروسلاف ستيكيفيتش أنه عدَّ متخّيل الثقافة العربية الإسلامية حول قوم ثمّود أسطورة عربية أصلية تمثل رمزًا تأسيسيًا في الثقافة العربية، واستثمرتُ كلامه هذا لإثارة طلابي في الجامعة إلى سؤال تحريضيّ معرفيّ هو : هل بالفعل تشكّل أسطورة قوم ثمود في المتخيّل العربي أسطورة تأسيسية شأنها في ذلك شأن الرموز التأسيسية عند بعض الأقوام والديانات مثل أرض المعاد ونهاية الكون وغيرها من أمور متصلة بالمبتدأ في علاقته بالنهايات والفتن والملاحم؟! أرى أن ثمّة مبالغة عند هذا المستشرق فلئن كانت الثقافة العربية تخضع في متخيّل بعض الجماعات إلى رموز تأسيسية كبرى فإنَّ متخيّل ثمّود لم ولن يشكل سوى كونها قصة قرآنية تهدف إلى العظة وهو الهدف الأساسي في كتابة التاريخ العربيّ الإسلاميّ"المواعظ والاعتبار".

ولكن أعترف أنَّ ما أثاره ستيكيفتش بدأ يشتغل في ذهني وجعلني أربط بين بعض السياقات المختلفة والمتنوعة عالميًا؛ ففي كتاب"الحروب الصليبية كما رآها العرب" لأمين معلوف يذكر الكاتب مستقرئاً الحروب الصليبية بأنها "شرارة ثورة حقيقية وثقافية بالنسبة إلى أوروبا الغربية في حين أنها ستفضي في الشرق العربي الإسلامي إلى عصور طويلة من الانحطاط والظلامية الذي لا يزال متأثراً بهذه الحروب حتى بعد مرور ما يقارب السبعة القرون على انطلاقها ويُنظر إليها على أنها انتهاك واغتصاب لمقدساته. ويتمثل هذا التأثّر في العالم العربيّ بالذات في ذاكرة الرموز الاستعادية؛ فالمسؤولون السياسيون والدينيون في العالم العربي "لايزالون عشية الألف الثالث يستشهدون بصلاح الدين وسقوط القدس واستعادتها. وتُشبّه إسرائيل في المفهوم الشعبي كما في بعض الخطب الرسمية بدولة صليبية جديدة. ومن فصائل جيش التحرير الفلسطيني الثلاثة يحمل واحد اسم حطين وآخر عين جالوت. وكان الرئيس عبدالناصر في إبان مجده يُقارن بصلاح الدين الذي كان مثله قد وحَّد الشام ومصر وحتى اليمن. وأمّا حملة السويس في عام 1956 فقد نظر إليها على قدم المساواة مع حملة 1191 على أنها حملة صليبية بقيادة الفرنسيين والإنكليز".

في حروب الشرق الأوسط الجديدة دائمًا تُثار معركة نهاية العالم وقدوم المسيح معركة هرمجدون، وبالتالي ينطلق بعض السياسيين الغربيين في سياساتهم من هذه الذاكرة الرمزية الاستعادية لحدوث معركة فاصلة بين المسلمين والمسيحيين آخر الزمان. ولو تمعنا في الأحداث السياسية حول العالم كله وليس فقط في منطقة الشرق الأوسط الجديد فلابد لنا أن نعثر عن ذاكرة ماضوية تأسيسية استعادية لاتزال تؤثر في الحاضر وتصنع المستقبل! ولاتخلو جماعة من الجماعات البشرية من صنع تاريخها الخاص بها الذي يفترق عن تواريخ الجماعات الأخرى، ولاشكَّ أنَّ هذا التاريخ يشتمل على مقدار مهم جدًا من ذاكرة الرموز الاستعادية التأسيسية!

كي يحلَّ السلام في العالم وكي نؤمن بحق كل منا في الاختلاف المثري لابدَّ أن نمنع بعض الذاكرات المستعادة التدميرية تلك التي تؤجج الحروب والفتن بين بني البشر، وأن نؤسسَ ذاكرة كونية مستعادة تخلق السلام والحب وتحترم حق التنوع الثقافي بين الجميع لإخوة إنسانية بعيدًا عن الكراهيات الكبرى المدمرة التي دمَّرت تاريخ البشرية ولاتزال!
T+ T T-