السبت 18 أغسطس 2018

صمت تميم



لعلّ أكثر كلمة تكراراً منذ اندلاع الأزمة الأخيرة مع قطر، لاسيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي، هي كلمة "الفتنة". بعضهم ردّدها بحسن نيّة وانطلاقاً من قلق وتوجّس حقيقيين من الاحتمالات المجهولة لتطور هذه الأزمة، وبعضهم من باب الدفاع الأيديولوجي الأعمى عن الموقف القطري والابتزاز العاطفي السياسي لمشاعر المواطن الخليجي العادي.

وأمام هذه العاصفة الكبرى و"الفتنة" الرابضة في المعلوم والمجهول معاً، بدا لافتاً أن أمير قطر، الذي نسبت إليه التصريحات المشؤومة، سواء أكانت تلك التصريحات نتيجة "اختراق" كما تقول الرواية القطرية، أم متعمّدة ومقصودة، كما تقول الرواية المضادة، لم ينطق حتى الآن بكلمة أو موقف يتجاوز مسألة النفي الاعتيادي. فجلّ ما خرج من الدوحة حتى الآن أن أمير قطر لم يقل هذا أو ذاك من المواقف السياسية الصادمة، إلا أنه لم يصدر أيضاً أيّ كلام يؤكد عكس النفي.

ولعلّ ما يحيّر المراقبين اليوم هو مغزى ومعنى هذا الصمت المريب وغير الموفّق، وحتى المواطن الخليجي العادي يحقّ له أن يسأل: إن لم يكن تميم موافقاً ضمناً على تلك التصريحات المنفيّة، أيصعب عليه حقاً الخروج ببيان أو تصريح أو حتى مؤتمر صحافي يضع فيه النقاط على الحروف، ليس من باب النفي فحسب، بل إعلان موقف واضح لا يحتمل اللبس من علاقات بلاده بالدول الشقيقة في مجلس التعاون، ولاسيما الإمارات والسعودية، وأيضاً ممن وردت أسماؤهم في تلك التصريحات، وعلى وجه الخصوص إيران. أيصعب على الأمير وهو يرى هذه "الفتنة" المستعرة، بحسب الرواية القطرية دوماً، وهي تتأجج أكثر فأكثر، أن يراعي المصلحة العامة لدول الخليج، ناهيك عن المصلحة العربية، ويخرج بتصريحات أخرى مسؤولة تخمد نار تلك الفتنة، وتعيد دفة العلاقات الخليجية الخليجية إلى السكة الصحيحة؟

قد يقول قائل إن الدول الأخرى المعنية، الإمارات والسعودية والبحرين ومصر، والتي اتهمتها التصريحات المنفية، بالوقوف ضدّ قطر، لم تعلن بدورها موقفاً واضحاً، على المستوى السياسي والرسمي، وتركت الإعلام يقود دفة هذا الصراع. ولعلّ بعض الصراحة مطلوبة هنا. فهذا الكلام، أي غياب الموقف، من جانب الدول الأخرى المعنية بالقضية، غير صحيح إطلاقاً. فتلك الدول سارعت بعد صدور التصريحات إلى حظر الإعلام القطري بالكامل، وهذا ليس بكاريكاتور أو مقال رأي يصدر في هذه الصحيفة أو ذلك الموقع الإلكتروني، بل هو موقف سياسي واضح وصريح وصادر عن السلطات السياسية في تلك الدول، وهذا الحظر هو رسالة لا تحتمل اللبس من قبل صناع القرار في السعودية والإمارات على وجه الخصوص: نحن لم نصدّق المزاعم القطرية بعدم صحة التصريحات. وهذا يعني بكلّ بساطة أنه على قطر التي تلقت هذه الرسالة أن تردّ عليها.

وهنا نصل إلى بيت القصيد. فشكل الردّ القطري ونوعه خلال الأيام الماضية يوضح الأمور أكثر ويزيل عنها اللبس عند من يريد أن يقرأ ويحلل بدقة وموضوعية وبعيداً عن الأهواء. فالردّ لم يأت على شكل بيان أميريّ توضيحي حاسم يسعى إلى التهدئة والمصالحة والطمأنة، بل جاء على شكل هجمة شرسة متواصلة ومرتفعة الوتيرة من قبل الإعلام القطري، الجزيرة وأخواتها، على الإمارات والسعودية، وهي هجمة توضح مرة أخرى الحقيقة التي يعرفها الجميع، وهي أن الإعلام القطري برمّته مسير لا مخيّر، وأن خدعة "الإعلام الحرّ والموضوعي" لم تعد تنطلي على أحد، حيث يتمّ توقيت نشر المواد الإعلامية ونوعها وحجمها وجرعاتها، وأيّ خطوط حمر تخترقها تلك المواد أو لا تخترقها، بميزان دقيق يستجيب للتقديرات السياسية عند من يديرون هذا الملف، في رأس السلطة التنفيذية في الدوحة.

في الوقت نفسه جنّدت الدوحة ماكينتها الضخمة عبر التواصل الاجتماعي، وعبر حسابات مجهولة في أغلب الأحيان، في حملة علاقات عامة وترويج سياسي هدفها الدفاع الأعمى عن التوجهات القطرية، والتحذير من "الفتنة"، وتصوير الموقف السعودي الإماراتي، المعبّر عنها كما ذكرنا أولاً في الحظر ثم في وسائل إعلام البلدين الرسمية وشبه الرسمية والخاصة، بوصفه هو المشكلة، والإغفال التام للصمت القطري غير المبرر وغير المفهوم.

إذا أرادت الدوحة حقاً الوصول إلى تسوية في هذه الأزمة الحقيقية والعميقة والتي تتجاوز أسبابها وحيثياتها موضوع التصريحات الأخيرة، فإن على صانع القرار القطري التخلي عن أسلوبه القديم في الوصول إلى تسويات، ذلك الأسلوب القائم على التفجير أكثر فأكثر واستغلال ما توفّر لديه من أوراق، وهمية أو حقيقية، وتوظيف ماكينته الإعلامية بهذه الطريقة التقليدية، وعليه مصارحة شعوب المنطقة قبل قادتها بحقيقة مواقفه من كلّ المسائل العالقة، وعلى رأسها موقفه، ليس من الإرهاب فحسب، بل من المنظمات المصنفة إرهابية في الإمارات والسعودية وغيرهما، أما إذا أصرّ على هذه المقاربة الفاشلة فإنه لا يفعل سوى تعميق أزمته وعزلته، ويخطئ قراءة الموقف الرسمي لتلك الدول والذي بدأ بالحظر، ولا أحد يعرف كيف سيتجلى ويتبلور في قادم الأيام.  
T+ T T-