الخميس 19 أكتوبر 2017

هكذا فقد النظام القطري شرعيته الأخلاقية والسياسية



في الخطابات القليلة لأمير قطر "المفدى" تميم بن حمد، أعلن صراحة وأكثر من مرة مدى قرب علاقة بلاده وتطور تلك العلاقات المضطردة بإيران. لندع الاختراقات والتسريبات والوثائق والأسرار جانباً. هذه سياسة علانية للدوحة منذ حمد الأب وحاشيته وامتداداً إلى ولده تميم وحاشيته. المصالح هي التي تتكلم، سواء أكانت هذه المصالح "وطنية" أو اقتصادية نفعية أو محض سياسية أو كل ذلك معاً.

هذا المنطق يمكن أن يكون مقبولاً وحتى مسوغاً، لو كانت قطر تتبع منهجاً سياسياً محايداً وسلمياً وقائماً على علاقات مصلحية متساوية مع جميع الدول، بصرف النظر عن ما نطلق عليه "العلاقات الأخوية" ووحدة المصير والمسار وما شابه ذلك من مفردات تحتل حيزاً كبيراً من أدبياتنا السياسية. لكن ما يجعل هذا الخطاب غير مقبول هو أن قطر ليست كذلك. قطر هي لاعب في العديد من ملفات المنطقة. قطر أخذت موقفاً من مصر. انحازت إلى الإخوان. ساهمت علناً في دعم أطراف ضد أطراف أخرى. سخت بالمال والسلاح والدعم الإعلامي للأطراف التابعة لها أو المتحالفة معها. باختصار، عن خطأ أو صواب، قطر لم تكن يوماً طرفاً محايداً.

المشكلة الحقيقية الأخرى التي تتجسد بصورة نموذجية في حالة قطر، تتجلى حين يصطدم المنطق الأخلاقي والمبدئي بالمصالح. قطر تقول إنها تدعم الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة. هنا الأخلاق والمبادئ. لكنها تقيم علاقات علانية مع جلاد الشعب الفلسطيني ومستعمره إسرائيل. هنا لغة المصالح ومنطقها. قطر تقول إنها تدعم الشعب السوري وقضيته العادلة. هنا أيضاً الأخلاق والمبادئ. لكنها تقيم حلفاً و"علاقات مميزة" مع جلاد الشعب السوري إيران. قطر تقول إنها تدعم الشعب الفلسطيني. لكنها تمول وتدعم فصيلاً ضد السلطة الشرعية والفصائل الأخرى. تقول إنها تدعم الشعب المصري. لكنها تمول فصيلاً (الإخوان) ضد الدولة وضد أطياف الشعب المصري الأخرى بمن فيهم الأقباط. تقول إنها تدعم الشعب السوري ضد الديكتاتور. لكنها لا تدعم القوى التنويرية والوطنية السورية، بل تمول وتدعم ميليشيات إسلامية متشددة، تعمل ضد الأطراف التنويرية والوطنية وتقتلهم يومياً. تدعم مجلس التعاون الخليجي وهي جزء لا يتجزأ منه ومن قراره. لكنها تدعم أطرافاً تعمل صراحة على تقويض أمن واستقرار بعض دول التعاون، ولا تنسى دعم إيران المفتوح في المحافل الدولية ضد المسار السياسي الواضح لأغلبية دول التعاون. وتوظف ماكينتها الإعلامية الضخمة للتحريض على دول أعضاء في التعاون.

كل هذا يجعل النظام القطري أقرب إلى منطق المنظمة المافياوية منه إلى منطق الدولة التي تحاول الموازنة بين خطابها الأخلاقي ومصالحها السياسية. وكل هذا يفقد هذا النظام مشروعيته الأخلاقية والسياسية معاً. فلا هو قادر على بناء نموذج أخلاقي يعتد به، ولا هو مهتم ببناء نهج سياسي يمكن الوثوق به.

كل هذا أدى إلى القرار الحاسم الحازم من دول خليجية وعربية بقطع العلاقات مع النظام القطري، وهو قرار لا يؤسف له، كما علق النظام القطري، بل هو الاستجابة الأخلاقية والسياسية والمصلحية في آن واحد، تجاه النفاق الأخلاقي وضيق الأفق السياسي والمصلحية السافرة للنظام القطري. وبعد هذا كله يأتي من يحذر من الفتنة ويعرب عن حزنه لما آلت إليه الأمور، وهو فصل آخر يجدر التوقف عنده في الواقع السياسي الخليجي المسكوت عنه، وهو حضور الصوت الإخواني المقنع والمتحالف ضمناً مع راعيه القطري الإخواني، رغم تشدقه طوال الوقت بالخطاب الوطني المدافع عن الدولة.
T+ T T-