السبت 24 يونيو 2017

عشر سنوات ومشهدان لغزة

مقاتلون من كتائب القسام في غزة.(أرشيف)
مقاتلون من كتائب القسام في غزة.(أرشيف)


تبدو غزة وهي تطوي العام العاشر من حكم حماس مثل أرض خارج البلاد، ووقت خارج الزمن، يتلقفها هواة السلطة وشطّار السياسة
في الرابع عشر من الشهر السادس قبل عشر سنوات، نفذ الإخوان المسلمون انقلاباً عسكرياً دموياً في قطاع غزة، كان الاحتلال قد غادر القطاع، وغادر ما يقرب من تسعة آلاف مستوطن المستوطنات الـ19 التي توزعت في مختلف مناطق الشريط الضيق، بعضهم عرض أثاثه ومقتنياته على الطريق العام، فيما ساوم كثيرون منهم على حجم التعويضات التي وعدتهم بها حكومة أرئيل شارون التي نفذت الانسحاب من طرف واحد ودون العودة أو التنسيق مع "السلطة الفلسطينية"، الشريك المفترض في اتفاقيات "أوسلو"، تلك كانت الخديعة أو الكمين أو الإشارة التي انتظرتها حماس طويلاً.

استغرق انسحاب الاحتلال ومستوطنيه الذي بدأ في 15/8/ 2005 ثمانية أيام شمل تدمير المباني والمعدات التي لم يتمكن من نقلها، وقام الفلسطينيون بحرق وتدمير ما تبقى.

الانتخابات الفلسطينية جرت بعد عام حيث حصلت حماس على أغلبية مقاعد المجلس التشريعي واحتفظت فتح برئاسة السلطة، لم تتمكن حماس من تأليف حكومة وحدة وطنية، الحقيقة أنها لم تسع لذلك أصلاً واحتفظت بكل شيء، وكان أول قراراتها تشكيل "القوة التنفيذية" في غزة، وهي جهاز أمني تابع لوزير الداخلية في حينه. شكلت "القوة التنفيذية" التي جرى اختيارها من أعضاء ومسلحي "حماس" قوة موازية أكثر تسليحاً وتدريباً من القوى الأمنية العاملة فيما يشبه تنظيم "الحرس الثوري" على الطريقة الإيرانية، حيث قامت هذه القوة بقمع الاحتجاجات الشعبية والنقابية على سياسات حكومة "هنية"، وأطلقت النار على المحتجين في كل المناسبات تقريباً، ما أدى الى سقوط عشرات القتلى والمصابين، إضافة إلى توجيه ضربات للآجهزة الأمنية بين وقت وآخر تحت ذرائع متعددة.

بموازاة قمع الاحتجاجات الواسعة التي شملت مختلف القطاعات الشعبية، بما فيها قطاع موظفي السلطة والتعليم والصحة، كان هناك خط من الاغتيالات المخطط لها لعدد من القادة والكوادر والناشطين، شملت الأطفال، وحرق البيوت إضافة لمحاولة شق حركة فتح عبراستمالة بعض قواعدها من الناقمين على الخط السياسي لقيادتهم وتفشي الفساد في صفوفها.

بينما في الخارج كان يجري التمهيد للانقلاب عبر جيش من الوسائل الإعلامية، بقيادة فضائية الجزيرة، وستصل الرواية للمشاهد العربي تحت لافتة "المؤامرة على المقاومة"، وستظهر "حماس" بثوب "الضحية" التي تواجه تحالف "فساد منظمة التحرير" و"الاحتلال الاسرائيلي" معاً.

ستصل عمليات التمهيد ذروتها بفتاوى يوسف القرضاوي التي كان يطلقها من الدوحة وبعض تلامذته من شيوخ غزة، الفتاوى التي وصلت الى حد "تحليل" قتل أبناء أجهزة الأمن بمختلف مسمياتها وأعضاء حركة فتح، هذه الفتاوى التي اتضح أنها قد وصلت ضمن "أدبيات الإخوان المسلمين" في القطاع قبل وقت طويل من ظهورها إلى العلن لعامة الناس.

ستنشغل قيادة حماس في الخارج بترويج كل هذا، كنموذج يمكن تذكر أي خطاب ل"خالد مشعل" في دمشق، حيث كان الحليف المدلل لنظام الأسد وحزب الله، الخطاب الشهير في مخيم اليرموك على سبيل المثال، الذي اتهم فيه أجهزة الأمن الفلسطينية بالخيانة.

تقريباً كان هذا هو المشهد عشية الرابع عشر من يونيو (حزيران) قبل عشر سنوات، كل شيء كان جاهزاً للانقلاب.

ستساق بعد ذلك ذرائع كثيرة لتبرير "الانقلاب"، وستروى وقائع وتفسر أحداث غامضة، وسيطلق على تلك العملية الدموية المريرة أسماء مثل "الحسم العسكري"، الذي يحمل ظلالاً من نوع أن الأمر كان حلاً نهائياً لحرب أهلية شنها "الأشرار"، بحيث تبدو عمليات القتل والاغتيالات وإعدام المقاتلين والضباط والكوادر، وإطلاق النار على المحتجين العزل من الموظفين والأطباء والمعلمين في الساحات العامة فصلاً من فصول "المقاومة" وحماية لها.

"غزة" الآن وبعد عقد على واحدة من أقسى مآسيها لا تبدو سعيدة أو مبتهجة بحصولها على سلطة الإخوان المسلمين، رغم أن "اسماعيل هنية" رئيس وزراء حماس المقال، هذا هو لقبه خلال توليه منصبه، والذي اختارته حماس مؤخراً ليكون رئيسها، حدث هذا في قطر قبل أسابيع، رغم أنه أعلن أكثر من مرة عن "سعادة" و "بهجة" أهالي القطاع بحكم حماس.

غزة تبدو الآن وفي مشهدها الثاني، وسأسمح لنفسي باستعادة ما كتبته قبل أسابيع:

" تبدو بعيدة. لم تكن يوماً بعيدة كما هي الآن. ولم تكن متروكة كما هي الآن.

الرسائل المقتضبة التي من هناك ممتلئة بالخوف والترقب وقسوة الحياة.

حيث يصرخ أشخاص مدججون بالسلاح واليقين والمعرفة على الناس في بيوتهم، وينهرونهم في الشوارع والمساجد ويراقبون جلوسهم وشايهم في المقاهي، وينبشون ثيابهم وأحلامهم وكتبهم وأرقام هواتفهم.

وحيث يواصل رجال وفتيان حفر أنفاق لا تنتهي في رمال رفح نحو الصحراء، يغرفون الرمل من سيناء ويلقونه خلفهم وهم يتقدمون بظهور منحنية، يغطي أجسادهم الرمل كما تغطي أرواحهم قساوة الحياة.

وحيث يجلس صيادون، بلا سبب أو حجة، بشباك فارغة وزوارق تقشر دهانها تحت الشمس، على شواطئ فارغة يحدقون في مياه محرمة.

وحيث يقفز ملثمون، في مشهد حداثي، من سيارات الدفع الرباعي ليخطفوا رجلاً من المارة.

يمكن، هنا، سماع رجل يخطب في ساحة عامة على مجاميع من الناس المنهكين من حياتهم وهو يعدهم بالموت قريباً، تماماً كما لو أنه يلف هدايا الأعياد وبطاقات الأفراح ويوزعها عليهم واحداً واحداً.

في المشهد الذي تشي به رسائل مقتضبة، أقرب الى استغاثات يحرص أصحابها على أن يظهروا بمظهر من لا يستغيث، عالم مشرع من المخدرات الرخيصة، وهي تطوف بأسماء مختلفة على المقاهي والساحات والمدارس كما لو أنها مفاتيح الجنة.

تبدو غزة وهي تطوي العام العاشر من حكم حماس مثل أرض خارج البلاد، ووقت خارج الزمن، يتلقفها هواة السلطة وشطّار السياسة.

"ولاية" قادمة من مخيلة حكامها الجدد وأشياعهم وحلقة المرشدين الذين يرسمون في خلواتهم مصائر سواهم".

T+ T T-