الإثنين 21 أغسطس 2017

نهاية أحلام قطر

أمير قطر تميم (أرشيف)
أمير قطر تميم (أرشيف)


مع انطلاق الحراك الثوري في المنطقة العربية، وفي مرحلة أخذت الشعوب العربية الحماسة ولم تعد تستوعب ما يجري حولها من أحداث وتقلبات أسقطت أنظمة وأسقطت معها دول وأدخلت أخرى في بحور من الدماء، كتبت مقالاً عن الدور القطري المشبوه في مسلسل التغيرات هذا.

وبعد ست سنوات، أضحى العالم أكثر قناعة بأن تلك الدولة الصغيرة حلّقت عالياً قبل أن تصطدم بجدار صلب اسمه قوة الجغرافيا وقوة النفوذ، اللذين تمثلانه الإمارات والسعودية اللتان استطاعتا خلال أسبوع واحد وضع حصار جغرافي واقتصادي على قطر التي تخلّت عنها الإدارة الأمريكية الجديدة وأخذت الثمن مسبقاً.

قطر الدولة الصغيرة التي سخّرت مواردها الكبيرة، الناتجة عن استثمار الغاز، للبحث عن موقع دولي يتجاوز بكثير ضعفها الديمغرافي، والتي حوّلت ذراعها الإعلامية "الجزيرة" إلى محطة لتصريف مواقفها السياسية وخدمة أجنداتها الإقليمية وبالتالي تحويلها إلى مدفعية جاهزة لشن هجومها على خصومها من ناحية أو تجميل والدفاع عن حلفائها من ناحية أخرى.

حاولت قطر الخروج من جغرافيتها الضيقة والظهور كالدولة الأكثر بروزاً في الخليج بعد أن تجاوزت مطامحها دور الوساطة في حل النزاعات الإقليمية، إلى الحلم بالدولة الفاعلة صاحبة الدور الرئيسي في القضايا العربية، لتخرج بذلك عن الخط الخليجي وتغرّد وحدها خارج السرب قبل أن تصطدم بجدار واقع دول التعاون التي لن ترضى الرضوخ لمطامح "الدوحة"، والحائط المصري الذي أفشل كل المحاولات القطرية وعرّا مخططاتها في المنطقة.

اختارت قطر أن تُبحر على متن موجة شاذة عن محيطها الخليجي والعربي، وهي التي لا تزال لا تمتلك من الأدوات إلا قليلها مقابل أهداف طموحة وكبيرة، ما جعلها معزولة ومكشوفة النوايا في لعب دور يفوق إمكانياتها ويتعدى جغرافيتها، وتنفيذ مخططات تهدف إلى إعادة رسم خارطة المنطقة وفق ما تقتضيه فقط مصالحها، وربما ما تمليه عليها أجندات خارجية.

قطر تدفع اليوم ثمناً باهظاً مقابل ذلك كله ومقابل مواقفها المتضاربة، ودورها الملتبس في سوريا وليبيا، وتقاربها من إيران وتركيا على حساب الإمارات والسعودية، ودخولها في تحدٍ مع مصر، ودعمها للإرهاب.

قبل سنتين، اتهم وزير المساعدة الإنمائية الألماني، جيرد مولر، "الدوحة" بتمويلها مقاتلي تنظيم داعش في العراق، وطرح التلفزيون الألماني تساؤلات عن الدور الذي تلعبه قطر في المنطقة ودور المال القطري في القضايا الإقليمية، بدءاً من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مروراً بالتحولات التي شهدها العالم العربي، إلى دعم "الدوحة" غير المحدود لجماعة الإخوان قبل وبعد الإطاحة بهم في مصر، وصولاً إلى علاقة قطر المشبوهة بالتنظيمات المسلحة والإرهابية في المنطقة.

وفي نفس الفترة قام عضو مجلس النواب الأمريكي، دوج لامبورن، بصياغة مشروع خطاب موجه إلى وزير الدفاع الأمريكي، أشتون كارتر، للإعراب عن القلق تجاه تحول قطر إلى مركز لدعم الإرهابيين وتمويلهم في منطقة الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن قطر قد أصبحت خلال السنوات الأخيرة بؤرة لعمليات الإرهاب والأنشطة المتصلة بتمويله.

قطر التي لا تمتلك مصادر القوة، فهي تستغل فقط وسائلها الدعائية وقنواتها الإعلامية من أجل أن تظهر، من خلال تحركاتها التي تعرض بصورة مبالغ فيها عبر قنواتها، كأنها قوة مؤثرة، وميدانياً هي ليست كذلك، فهي لا تمتلك مصادر القوة سواء الجغرافية المادية أو المصادر العسكرية التي تفرض تدخلاً مباشراً، فهي يمكن أن تؤثر في مرحلة ما من خلال تقديم مساعدات أو دعم، لكن موقفها أو دورها دائماً ما يكون مرتبطاً بقوى أخرى.

قطر ليس لها دور مستقل، مما يجعلها لن تستطيع العيش خارج محيطها الخليجي الذي أحكم قبضته عليها، التي لن تجد "الدوحة" بعدها مخرجاً سوى الاستسلام والقبول بالشروط والعودة إلى حجمها، لكن يبقى سؤال مرتبط بالدول التي تفاعلت مع قرارات الإمارات والسعودية والبحرين، وفي مقدمتها مصر، فهل ستكون هذه الأخيرة جزءاً من الحل كما كانت جزءاً من الأزمة، أم أن الخليجيين سينهون خلافاتهم بجلسة عرب، بعد أن تنفذ قطر شروطهم، وتبقى "القاهرة" خارج الحسابات؟!
T+ T T-