الثلاثاء 24 أكتوبر 2017

حمد بن جاسم.. العائد إلى ملاعب الفتنة

وزيرة الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم  (أرشيف)
وزيرة الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم (أرشيف)


صدمة دبلوماسية نفسية جعلت حكومة قطر تلجأ إلى مدفعية الإرهاب حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني وزير خارجية قطر السابق. حمد بن جاسم معروف بمواقفه المتشددة من السعودية. "أبو جبر" قضى وقتاً طويلاً من الفترة التي قضاها في السلطة، وهو يعمل على جعل الدوحة منافساً للرياض. ولعل المنافسة هنا لا تصح، بل الأفضل القول إنه أمضى الوقت متآمراً على الرياض، وهو ما لخصته مكالمته المسربة قبل سنوات بقوله: إن "النظام السعودي ساقط لا محالة على يدي قطر"، على حد زعمه.

نهم السلطة عند بن جبر لا يتوقف عند حدود. ربما هو تراكم لعقدة أحقية فرع أسرته في الحكم، وهو ما يبرزه في كل مرة يضع في نهاية اسمه "ابن جبر" ليذكر الناس بما يراه حقاً. لكنه كان دائماً أضعف من أن ينقلب على الانقلابي حمد بن خليفة "المعروف الآن بلقب الأمير الوالد". وبقي بدرجة رئيس المتآمرين إلى أن قرر "الأمير الوالد"، وهو الأعلم بإمكانيات حمد بن جاسم، أن "يكلبشه" معه من يديه وهو يغادر الحكم لصالح الابن الغر تميم الذي كان متخوفاً من أن ينقلب عليه حمد بن جاسم لو تُرك في السلطة.

وهذا ما حدث. تركَ حمد بن جاسم جميع مناصبه في الدولة مع تنحي حمد بن خليفة لصالح ابنه تميم، وتفرغ لأعماله التجارية من خلال ثروة فلكية يُقدرها البعض بـ 30 مليار دولار هي حصيلة ثروته الشخصية ومبلغاً مقطوعاً مُنح له مقابل "نهاية الخدمة" أو ترضية للاستبعاد. وهو يقيم لوقت طويل في لندن في أغلى شقة في العالم يتجاوز ثمنها 300 مليون دولار تطل على حديقة الهايدبارك. ربما المنظر وأرقام الأرصدة يذكرانه بمشاهده التمثيلية التي كان حريصاً على تقديمها على قناة "الجزيرة"، وهو يتباكى على معاناة أهل غزة مرة، وأهل جزر "الواق واق" مرة أخرى. قطر لديها مصالح مؤكدة في جزر "الواق واق"، لأنها لم تترك مكاناً في العالم على عهد الحمدين لم تتدخل به، حتى لو كانت الجزر من نسج الخيال.

هذه الشخصية المضطربة هي خلاصة الاختلال القطري في النظرة للأمور. فإذا كانت قناة "الجزيرة" هي صورة الاختلال على الشاشة، فإن حمد بن جاسم هو صوت الاختلال. هو الصديق الصدوق لإسرائيل والفلسطينيين معاً، وهو الباكي على مصير صدام وهو يلوح بعلامة النصر للطائرات الأميركية التي تقلع على مقربة من بيته في الدوحة وهي ذاهبة لقتل صدام. لديه اهتمام خاص بمصر ولم يترك فرصة إلا وقد استغلها لضرب استقرار أكبر بلد عربي، مرة بمساعدة "الإخوان المسلمين" ومرات عبر التمرد في سيناء، أو جنوباً من السودان، أو عبر ضخ المال في مشاريع تحويل النيل وإقامة السدود على شريان الحياة في مصر.

المال واللعب على المشاعر كانا طريق حمد بن جاسم إلى الخراب. يمكن أن يستفز الفلسطيني بأن يجلس مع قيادات إسرائيل، لكنه يحرص على أن يرسل الشيك المصرفي إلى "حماس" في نفس اليوم كيداً لحركة "فتح". يتحدث عن حقوق الإنسان وهو الذي يعتقل مدير مكتبه، ويسعى لإلصاق صفة الجنون به. وثائق "ويكيليكس" رسمت صورة الشخصية التآمرية لحمد بن جاسم الذي يغازل الأميركيين وهو القادم للتو من لقاءات مع زعماء "طالبان"، أو من أمر ببث آخر لقاءات أسامة بن لادن في "الجزيرة" من أجل التحريض على أميركا.

صاحب العقارات والأموال جعل قناة "الجزيرة" منبراً للأحقاد. مهمة "الجزيرة"، التي أنفق عليها المليارات، أن تذكر الناس بفقرهم وعوزهم. الشارع المصري يجب أن يغضب من قيادته، لأنه لا يشارك الأثرياء المصريين ثراءهم وهم يجلسون في فنادق قد يكون حمد بن جاسم يمتلكها وتقدم صورة البؤس من على شاشة "الجزيرة" في الأجنحة الفخمة في تلك الفنادق.

الربيع العربي المشؤوم هو الابن الطبيعي للثنائي حمد بن خليفة وحمد بن جاسم. بدلاً من الاستثمار في التنمية كما يفعل العقلاء، استثمر الَحَمدان في الفتن. أتيا بالإخوان تحت شعار "الإسلام هو الحل"، وفي حين كانا يرسلان أكبر بيوت الخبرة العلمية إلى الدوحة لرسم مخططات بناء وثراء قطر. الفقراء المرضى لهم دعاء "الإخوان" ودجل المتأسلمين، ولهم أهم الأطباء وأفضل ما أتى به العلم. حمد بن جاسم، ومن خلفه "الوالد"، كانا قمة في التناقض، ودون حد أدنى من الحياء.

قناة "الجزيرة" ليست لتحريض الناس فقط، بل هي قناة تصفية الحسابات. قطر نتوء صغير في جغرافيا الجزيرة العربية. على السعودية المترامية الأطراف أن تدفع ثمن هذه الجغرافيا. لا يوجد شيء يمكن الإشارة إليه في قطر من معلم أو مبنى أو صرح. السعودية يجب أن تدفع ثمن كونها أرض الحرمين. حسابات مريضة تعالج بعلاج وبائي: تسليط إيران والإعلاء من شأنها على حساب كل قيم العروبة، وتبرير تاريخ الحقد الفارسي.

السعودية هي عقدة قطر. وإيران هي الأداة لحل العقدة من وجهة نظر شخصية مريبة مثل حمد بن جاسم. حرّك "الحوثيين في اليمن. استثار الشيعة في البحرين، طبل لقيادات عراقية تربت في إيران ووصلت على ظهر الدبابات الأميركية، جعل من نصر الله و"حزب الله" فوق الجميع، وضع مفردة "أشباه الرجال" على لسان بشار الأسد وأحرق علاقته بالسعودية، أدخل إيران إلى السودان من باب "الإخوان"، عظّم شأن الإرهاب. أمعن في الكيد وبنى جامعاً وأطلق عليه اسم الإمام محمد بن عبدالوهاب. المهم أن تطوق السعودية. "الإخوان" كانوا السلاح "الشعبي" بعد أن كانت إيران سلاح "الدولة". أطلقوا "الإخوان" في كل مكان. كلما انهارت دولة من الدول العربية، كانت كاميرا الجزيرة تنتظر "الخميني الإخواني" وتقدمه بطلاً وصل بلده لحل كل المشاكل.
مرة من سجون مصر، ومرة من طائرة تحمل الغنوشي أو بلحاج في تونس وليبيا. قطر الَحمدين جعلت في تركيا سلطان. "الإخوان" هم الرحم القطري للإرهاب. إرهاب "القاعدة" أولاً ومن ثم إرهاب "داعش"، وحيثما كان حمد بن جاسم يقف، فأقرأ على تلك البلاد السلام، فالدم هو الأثر الذي يتركه.

قصص التآمر القطري التي تمت على يد حمد بن جاسم نراها اليوم في كل مكان. كم مليون سوري نحصي وكم من مئات الآلاف في اليمن والعراق؟ كم عربياً غُرر به عندما قدم حمد بن جاسم للناس بشار الأسد على أنه البطل الشاب الذي سينقذ شعبه، ثم انقلبوا عليه؟ كم ضابطاً وجندياً سورياً غرر بهم باسم الثورة، لينتهوا على يد القتلة من "النصرة" و"القاعدة" و"داعش"؟ كم مرة قدمت قطر نفسها وكانها الحل في سوريا ونحن نعرف إلى أين انتهى الأمر هناك؟ من أدخل أردوغان إلى سوريا. ومول المغامرات التركية في سوريا والعراق؟ حمد بن جاسم هو التناقض بعينه.

هل نعد له ألعابه في اليمن؟ نفخ "الإصلاح" وآل الأحمر، فقادوا البلاد إلى التمرد الذي زعزع كيان الدولة، وأتى بالحوثيين. حميد الأحمر يعد نفسه الصديق الشخصي لحمد بن جاسم، وانظروا النتيجة؟ قناة "الجزيرة" كانت صوت الفتنة في اليمن، وهي اليوم التي تتباكى على حاله وتلوم "الحوثيين". حمد بن جاسم وصنائعه هما التناقض بعينه.

ولأن الفتنة تلد الفتنة، فإن "الجزيرة" حائرة بين دعم "الحوثيين" والتهجم عليهم، وهي التي تقدم "الإصلاح"، الحزب "الإخواني"، الذي نهب الجنوب، على أنه الحل في الأراضي المحررة. فتن "الإخوان" أولياء أمر "الجزيرة" لاتنتهي. وللتذكير، فإن "الإخوان" الجدد هم صنيعة حمد بن جاسم. يد تُصافح الإسرائيليين، ويد تحيي الأسد، ويد ترفع راية "حزب الله"، ويد تخط اسم "الإخوان" على حيطان القاهرة، ويد تمول الإرهاب، ويد تجمع "الإصلاح" و"الحوثيين" معاً، ويد توقع الاتفاقيات العسكرية والمالية مع الأميركيين. هذا هو الأخطبوط العائد الذي اسمه حمد بن جاسم. لماذا عاد؟ لأن الدوحة لا تمتلك من الأدوات السياسية إلا القليل. تلهت بالفتنة، وها هي تتخبط. وبدلاً من أن يكون تلاميذ حمد بن جاسم من الدبلوماسيين القادرين على توضيح موقف بلادهم، شاهدناهم مرددين لحكايات لا يصدقها أحد. لهذا تم استدعاء كبيرهم الذي علمهم السحر.
T+ T T-