السبت 18 أغسطس 2018

هكذا تدافع "الجزيرة" عن نفسها: المنقذ من "جاهلية الإعلام" نحو "أنوار الحقيقة"



استعانت الجزيرة بذخيرتها من الخطاب الشعبوي الشعاراتي "الثورجي"، الآتي في حد ذاته من قاموس عربي قديم جداً ومتهالك بعرف الإعلام، لتدافع عن نفسها أمام ما تسرب من مطالب الدول المقاطعة بإغلاقها، شرطاً من شروط التسوية مع الدوحة.

التقارير المفعمة بلغة عاطفية إلى حدّ الابتذال، تصور "الجزيرة" مدينة الإعلام العربي، بل ربما العالمي، الفاضلة، فقبل "الجزيرة" لم يكن شيء، وبعدها لن يكون شيء. بهذه اللغة الإقصائية المتعالية تحاول "الجزيرة" أن ترسم لنفسها دوراً رسولياً مقدساً، فالشعوب العربية تتنفس الحرية، حرية التعبير والقول، بفضلها، وهي طوف خلاص الموضوعية والحياد والمهنية الرفيعة، من قبلها الجهل والظلام، ومن بعدها الخراب وتكميم الأفواه وعودة الاستبداد والاستفراد، وغيرها من مصطلحات تخويفية يحاول أهل الجزيرة إقناع جماعتهم بها. تلك الجماعة التي تتبنى الخطاب الإخواني حول جاهلية المجتمع، وتصف نفسها بأنها من ستحيي الدين الحقيقي والأصيل، هي نفسها تذوب تعاطفاً مع خطاب الجزيرة حول "الجاهلية الإعلامية" التي كنا نتخبط بها.

حقيقة الأمر أن الإعلام العربي لم يكن قبل الجزيرة ولا خلالها، ولن يكون بعدها، بائساً كل البؤس، ولا كان ناجحاً كل النجاح. الإعلام في نهاية المطاف ليس تعبيراً فحسب عن السلطة السياسية التي تنتجه وترعاه، بل هو أيضاً نتيجة المجتمعات التي تفرزه وتحتضنه. "الجزيرة" بهذا المعنى كانت تعبيراً هجيناً عن الأمرين معاً: السلطة السياسية التي أنتجتها وأنفقت عليها المليارات لتحقيق أجندتها السياسية، والمجتمعات التي كانت مدار اهتمامها وخطابها. وقد كانت المعادلة ناجحة معظم الأوقات. "الجزيرة" تتكلم، تنتقد، تطعن في الأنظمة والحكومات، ولا تقترب من حكومة الدوحة، وكان ذلك مسكوتاً عنه إلى حدّ ما، فالدولة المنتجة للجزيرة، دولة صغيرة في نهاية المطاف، ودورها صغير ومحدود، ولكن ومع انطلاق ما يسمى "الربيع العربي" بدأت الأمور تتغير تغيراً جذرياً. بات المطلوب من "الجزيرة" التخلي تدريجياً عن أوراق التوت والحسم أكثر فأكثر لأن المرحلة لا تحتمل بالنسبة إلى رعاة الجزيرة الاستمرار في الدور القديم. تحولت "الجزيرة" حزباً، وتحول العاملون فيها إلى صقور يدافعون عن هذا الحزب بالأنياب والمخالب. في مصر لا وجود بالنسبة إلى الجزيرة لرئيس منتخب بل ثمة جنرال انقلابي وحكم عسكري مستبد. وهذا الجنرال لا جمهور له، فالجمهور الوحيد الذي تراه الجزيرة هو جمهور محمد مرسي "الرئيس الشرعي" وحزبه. المظاهرات الشرعية الوحيدة هي التي تقام دعماً للجماعة، أما المظاهرات المليونية التي أسقطت الجماعة فهي مجرد خدعة وأكذوبة. هذا الخطاب ليس خطاباً إعلامياً، بل خطاب أيديولوجي و"الجزيرة" أول من يعرف ذلك. قبل ذلك وخلاله، قررت "الجزيرة" أن انقلاب "حماس" في غزة ليس انقلاباً، بل هو ثورة مباركة، والحكومة الهزيلة التي نشأت عن تلك الثورة المزعومة هي حكومة شرعية تؤيدها صناديق الاقتراع الحمساوية. ليس من شعب فلسطيني بالنسبة إلى "الجزيرة" بل ثمة شعب حمساوي فقط والباقي مجرد فاسدين وعملاء.

في حقيقة الأمر، وبمراجعة للأحداث الماضية، فإن ما جرى في فلسطين، كان "بروفة" بالنسبة إلى "الجزيرة" وبروفة ناجحة وقابلة للتقليد والتكرار. إنه المثال النموذجي على التطابق السحري بين الأجندة السياسية والإعلام الشعبوي. جزء مهم مما شهدته المنطقة العربية هو نتاج لهذه النظرة القاصرة والمتخلفة للواقع العربي، ودائما باسم: الطهارة، المثالية، البراءة السياسية، صوت الشعوب، الحرية، الإصلاح، حرية الرأي... الخ.

حقيقة الأمر، ومهما علا صراخ "الجزيرة" الآن، ومهما زادت نسبة الأدرينالين في شرايين مذيعيها، فإنها تحولت أداة حزبية أيديولوجية، غير قادرة على تسويق نفسها بالطرق القديمة البائدة، والمفارقة أن السبب في ذلك هو نفسه سبب اكتساح الجزيرة في أوقات سابقة، أي الإعلام الاجتماعي الناتج عن ثورة المعلومات. لم تعد "الجزيرة" قادرة على احتكار الصوت والصورة، ولم تعد مصدراً وحيداً للخبر (علماً أنها لم تكن يوماً كذلك)، فبالإضافة إلى الانفجار الإعلامي الحاصل، ومئات الفضائيات والمواقع الإخبارية والصحف، بات الناس بالفعل يصنعون إعلامهم الخاص. في اللحظة التي تبث فيه "الجزيرة" تقريراً عن الأوضاع في أي بلد عربي، تنهمر مئات الصور ومقاطع الفيديو والتعليقات، من مئات الأشخاص، التي تكذب ما عرضته الجزيرة للتو.

حقيقة لا تنكر، الجزيرة لديها جمهور ومتابعون. حقيقة أخرى لا تنكر، هذا الجمهور، مع هامش بسيط للاختلاف، هو نفسه في كل مكان، الجمهور المتبني خطاباً هجيناً قومجياً متأسلماً، عنصرياً، طائفياً، محدود الثقافة السياسية، ذلك الجمهور الذي يعبر عن نفسه بأوضح الصور بعد كل تغريدة يغردها حساب الجزيرة على تويتر، والمليء بالتبسيط، التخوين، التعالي، والإقصاء.

التقارير الدعائية التي تبثها الجزيرة دفاعاً عن نفسها ودورها، تكشف، بالإضافة إلى التوتر الشديد، كل عناصر التخلف التي بات يقوم عليها خطابها الإعلامي، احتكار المهنية وتمثيل الحق، لا يختلف عن خطاب رأس السلطة في قطر، الذي ينزّه نفسه عن كل سوء، ويحتكر الحقيقة أو الصوابية السياسية، حتى بعد الفشل الذريع والمدوي لجميع مغامراته السياسية في المنطقة.

من يشاهد الجزيرة هذه الأيام يدرك أنها انتهت حقا، بصرف النظر ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد إقفالها أم تحجيمها أم مزيد من الانفجارات الغوغائية في خطابها أم حتى استمرارها كما هي. نهاية "الجزيرة" الحقيقية هي ترجمة لإفلاس الخطاب القومجي الإسلاموي الذي تتبناه، والأهم أنها ترجمة للإفلاس السياسي لراعيها الحاكم في الدوحة.
T+ T T-