الأربعاء 15 أغسطس 2018

قناة الجزيرة وقانون الوجود والعدم

رسم تعبيري.(أرشيف)
رسم تعبيري.(أرشيف)


فهل حان الوقت للجزيرة، حتى تعلن أنها قد فقدت شرعية الوجود، فالشعوب التي تتفرّج وتنتظر أخبارها الممنوعة، قد ملت من الأخبار والخبر العاجل، وَأقفلت التلفزيون، وباتت هذه الشعوب تبحث عن خَبر واحد هو الخبز الطالع من الفرن، وليس عن الخبر الطالع كالخبز
تولد المجلات والجرائد والمؤسسات والدول لأسباب محددة، وأغراض معلومة وأهداف مرسومة ثمَّ تموت بانتفاء حجة ميلادها وانتهاء قضية القائمين عليها. وإذا أصرّ القائمون على إحياء المولودات التي حان أجلها، وأجبروها على العيش، بعد انتهاء مدة صلاحيتها، فهي تعيش، من باب الذكرى، مثل آلة عزيزة متْحفية لم تعد ذات نفع، ولا تشتغل، وتحتاج إلى الإنفاق والصيانة والعناية باستمرار، أو هي مثل من دخل في غيبوبة، فلن يعيش إلا بالتنفس الاصطناعي بعد أن كان يضخُّ أنفاسه في أرواح الناس.

هذا هو قانون الوجود والعدم، ومثلما هو الشأن مع المجلات والجرائد، فإن هذا القانون ينسحب على القنوات الإذاعية والتلفزيونية، وغيرها من الظواهر التي تولد لأغراض محددة، ثمّ تختفي، باختفاء أغراضها، وباعثيها، أشخاصاً كانوا، أو قضايا، أو أحزاباً، أو اتجاهات أو وقائعَ أو دُوَلاً.

1- الجزيرة المثيرة
لقد مثّلت قناة الجزيرة الفضائية القطرية منذ انطلاقها سنة 1996 فتحة ضوء تسرب منها خبر جديد طازج مثل خبز طالع للتوِّ من الفرن، ولكن تمنعه الرقابة في أغلب التلفزيونات العربية الحكومية. وكانت الصورة التلفزيونية في هذه القناة مدروسة الظلال والأضواء والزوايا من الناحية التقنية، وهو ما فرض سيطرة زائدة على عموم المشاهدين، فالتلفزيون إيقاع سريع كالعصر، وصورة خاطفة ومغتصبة لانتباه الغافلين وَالنابهين معاً. ومارست القناةُ نفوذاً خفياً على ذهن المشاهد الذي بات يكره الإطالة والمبالغة وَالتمطيط ويحبّ التلميح والتصريح.

2) - الشعار والسُعار
ولكن من اين طلعت الجزيرة؟ لقد استطاعت أن تشير إلى وجود دولة قطر العربية الخليجية، ولكن اسم قطر سيتعزّز في الإعلام، بإنتاج الغاز فهو اسم لا يُتَداوَلُ بين أسماء الدول المعروفة سابقاً إلا لدى الضالعين في الجغرافيا، لذلك كان لا بد لتاريخ قطر أن يبدأ بالدويّ من خلال قناة تلفزيونية قادرة على استقطاب خبرات إعلامية وتقنية متنوعة ومن رجال ونساء اختاروا العمل فيها، أو هجّرتهم بلدانهم وظروف إنتاج الإعلام، فحسبوا، في البداية، في حضن الجزيرة أنهم كسبوا ملجأ وملاذاً، ومتنفساً معنوياً وماديّاً، وهكذا تهاطل هؤلاء على قطر قادمين من بلدان مثل سوريا والعراق ولبنان وتونس والجزائر والمغرب والسودان وغيرها من تلك الأقطار العربية التي لم تستطع أن توفر مجالات عمل وخلق لأبنائها، فهم يعملون في قناة تعمل تحت شعار كله إغراء: (الرأي والرأي الآخر) ،وسيتبين فيما بعد أن الشعار الحقيقي هو (الرأي والرأي نفسه)، وتتابع هذه القناة الاتجاه السائد والاتجاه المعاكس، وما الاتجاه المعاكس، كما تبيّن، غير الاتجاه العاكس لسياسة القناة لا غير.

3)- الخيبة من ديمقراطية الجزيرة
وعلى مدار سنوات حياة الجزيرة اختفت الكثير من البرامج الثقافية لأنها لم تعد تعني لخط التحرير شيئاً ذا بال، كما تحجبّت، وتبرقعت ثم طمست الكثير من المحاولات الإعلامية مثل البرامجالاجتماعية، ذات الطابع الحجاجي، وكشفت الجزيرة عن وجهها الأصلي من خلال الشيخ التسعيني يوسف القرضاوي إن لم تكن البرامج متماشية مع خط التحرير الذي يتدخل فيه، ويسطره القرضاوي الذي لا ترد له كلمة أو قرار في قطر منذ أن عمل جاهدًا على إغلاق مجلة "الدوحة" الثقافية في السبعينات بعد أن تآمر على رئيس تحريرها الناقد والصحفي الكبير رجاء النقاش.

وانسحب من الجزيرة كثير من الموظفين والإعلاميين الذين أصيبوا بخيبة أمل، وكم كانوا محسودين على العمل في الجزيرة، ولكن من عرف القناة من الداخل ولم يستطع أن ينسجم ويطيع، اطلع على أعماق الجزيرة، وذاق مرارة محاصرة الرأي الآخر التيوقراطي في هذه الجزيرة.

4) - أسئلة كبيرة حول الجزيرة الصغيرة
وبدأت رحلة الشك والأسئلة في الجزيرة بأسئلة من نوع:
- لا تلاحظ إعلانات كثيرة في الجزيرة، فكيف تعيش هذه القناة ومعها جيش من الإعلاميين المنتشرين في مناطق كثيرة من العالم وخاصة في ما سمّي ببؤر التوتّر؟

- من يموّلها ، وما الأغراض، والأهداف، وَالنوايا، ومن يقف وراءها ؟
- إذا كان حكام هم الذين يمولون الجزيرة، فلماذا لا وجود لإخبارهم في هذه القناة ؟
- هل إن اسرائيل تقف وراء الجزيرة ما دامت القناة تعرض وجهة النظر الإسرائيلية في عديد القضايا؟ وهل يكفي القول إن الجزيرة تعمل بمبدأ (إعرف عدوّك) ؟
- وهل اسرائيل بلد مسجل في قائمة الأعداء في خط تحرير الجزيرة؟ أم أن الرأي والرأي الاخر هو الشعار الذي لا محيد عنه عند فقهاء الجزيرة؟
- ما دور يوسف القرضاوي في الجزيرة، هل هو شريك في تحديد خط التحرير، وكان عليه أن يبدأ ببرنامج حول الشريعة، لينتقل من دور المفتي في الدين إلى فيلسوف تخرج من عمامته الأفكار التي تخلع الرؤساء، فلم يعد مفتياً بل صار خالع الرؤساء الكفار الذين لا يحكمون بالشريعة في الحياة؟ .
- ماذا تريد قطر؟ فلا يمكن أن تقوم بكل هذا البث، وكل هذه الإمكانات والمراسلين في أقطار العالم والمواضع الساخنة من الكرة الارضية، وهي بلد بهذا الحجم من حيث المساحة وعدد السكان؟
- وما نفع الشعب القطري من كل هذا الذي يبثّ من أرضه العربية ؟
- لماذا كل الأشرطة التي تسجل خطابات أسامة بن لادن تمرّ عبر الجزيرة (حصريّاً) دون باقي القنوات؟ فهل معنى هذا أن تنظيم القاعدة لا يثق إلا في الجزيرة؟ ولماذا الجزيرة تحديداً؟ وما معنى أن يثق الإرهاب في الجزيرة؟
- دولة قطر تنكر أنها تحضن الإرهاب والحركات المتطرفة باسم الدين، وتعتبر الجزيرة مكسباً مثل الغاز، وأنها لا تغلق هذا الغاز الإعلامي؟
- كانت الجزيرة تنتقي أخبارها، وعاجزة عن تلبية شروط الديمقراطية بالكامل، فلا خبر عن قطر، وعن حرية التعبير في قطر، والديموقراطية في قطر ليست في خطر؟
- لماذا صرّح حبيب الجزيرة، وصديقها الوفيّ الرئيس التونسي محمد المنصف المرزوقي حليف النهضة وصديق فيصل القاسم، والحقوقي بأن "قطر لم تستطع ممارسة الديموقراطية" لأسباب خاصة بقطر"؟ وهي أسباب لا تعرفها إلا مصالح منصف المرزوقي التي جعلته أصمّ وأخرس حين يتأذى صحافيّ قطري أو يسجن شاعر لا ذنب له سوى أنه تمنى أن يحدث بقطر ما حدث بتونس، ونال من وراء قصيدته عقاباً بالسجن ؟

5) - عود على بدء
- إذا كانت الجزيرة قد استوفت غرضها الربيعي العربي المزعوم الموشوم بزعزعة البنية السياسية، فقد دمّرت ما دمرت، دون قدرة على البناء أو الترميم، وبدا واضحاً للعميان قبل ذوي البصائر أن قضيتها تكمن في مساندة الإخوان المسلمين الذين يتآكلون، ويذهب ربحهم السياسي يوماً إثر يوم ، وفي كل مكان.

لقد ساهمت الجزيرة في الإطاحة ببعض الرؤساء العرب، وتسميم المناخ الاجتماعي العام، ونشر الفوضى الخنّاقة، ونشرت شعاراً يمكن تلخيصه هكذا ( في السابق إذا تكلمت مُتّ، والان، بفضل الحرية، تكلم حتى تموت).

وكان أكثر من شعب عربي يأمل في أن يكون مستقبله أفضل، فصار يلتفت إلى الماضي القريب بحثاً عن أمل وماض قريب لن يعود.
  
6) - نقطة كشف الجزيرة
إن قانون الوجود والعدم يهدد قناة الجزيرة التي استوفت غرضها في الوجود: صناعة ربيع عربي قبيح وسيئ السمعة، بشهادة الشعوب، وقد كانت تحضّر له  الجزيرة قبل عشرين سنة!
فهل حان الوقت للجزيرة، حتى تعلن أنها قد فقدت شرعية الوجود، فالشعوب التي تتفرّج وتنتظر أخبارها الممنوعة، قد ملت من الأخبار والخبر العاجل، وَأقفلت التلفزيون، وباتت هذه الشعوب تبحث عن خَبر واحد هو الخبز الطالع من الفرن، وليس عن الخبر الطالع كالخبز. وفقدت الجزيرة مبرر وجودها الأول، وفقدت من اسمها نقطة، فصارت جريرة.
T+ T T-