الإثنين 19 فبراير 2018

بيان القاهرة.. مهلة جديدة غير معلنة نحو مأسسة المقاطعة



وُصف البيان الذي خرج به اجتماع وزراء خارجية دول المقاطعة الأربع في القاهرة أمس الأربعاء بـ "الهادئ" و"الناعم"، وذلك بعد توقعات بأن البيان سيحمل حزمة مواقف وإجراءات تصعيدية تجاه قطر، لاسيما بعد المواقف التي أعلنها النظام القطري الرافضة لمطالب الدول الأربع، والداعية إلى مبدأ سبق رفضه صراحة وهو "الحوار" أو "التفاوض" حول هذه المطالب.

إلا أن القراءة الهادئة وغير الشعبوية في بيان نتائج اجتماع وزراء خارجية الدول الأربع الإمارات والسعودية والبحرين ومصر، تدلّ على أن البيان حمل الكثير من عناصر القوة، من دون أن ينجرّ إلى اللغة البلاغية التصعيدية، التي كان ينتظرها البعض رداً على التعنّت القطري. فكان يكفي أن يؤكد الوزراء المجتمعون أن دولهم ماضية في مقاطعة قطر إلى أن تحقق هذه المقاطعة أهدافها المعلنة، خصوصاً وقف قطر لدعم الإرهاب واستضافة إرهابيين على أرضها والتدخل في شؤون الدول الأخرى واستخدام الإعلام لنشر الفوضى، حتى يكون الاجتماع أنجز هدفه السياسي الأبرز، وهو تأكيد استمرار تضامن الدول الأربع وموقفها الموحد من قطر، على الرغم من الضغوط الدولية المعلنة وغير المعلنة، التي عبّرت عنها مواقف عدد من الدول خلال يومي الهدنة الممددة، والداعية إلى عدم تصعيد الموقف مع قطر تحت ذريعة عدم الإخلال بجهود محاربة الإرهاب، وتحديداً المعركة ضدّ داعش في الموصل والرقة، إضافة إلى التطورات
المتسارعة التي تشهدها الساحة الليبية.

وفي حقيقة الأمر، فإن أياً من المتحدثين باسم دول المقاطعة الأربع، لم يذهب ومنذ لحظة تقديم المطالب الثلاثة عشر إلى قطر، إلى التصعيد الكلامي أو التلويح بخطوات لا تنسجم مع المواقف الرسمية المعلنة لهذه الدول سواء في بيان المقاطعة نفسه أو البيانات اللاحقة.

وفي حين كثر الكلام (ومعظمه مصدره الدوحة وإعلامها الداخلي والخارجي) عن تدخل عسكري أو ترتيب انقلاب في الدوحة، فقد أوضح عدد من مسؤولي الإمارات والسعودية أن الخيار العسكري بكل أشكاله غير مطروح على الطاولة، بل كان تأكيد مستمر على أن أي إجراء سابق أو جديد قد يتخذ ضد قطر ينسجم مع مبدأ تأكيد سيادة الدول المقاطعة لا "العدوان" على الدوحة، ومع القوانين الدولية
المعمول بها في هذه الحالات.

وهكذا، فإن بيان الدول المقاطعة في القاهرة، سحب البساط من تحت قدمي صانع القرار القطري الذي حاول أن يسوّق أمام العالم رواية "الحصار" والمظلومية والعدوان، وفي الوقت الذي تعالى فيه البيان على الغوغائية السياسية القطرية كما عبر عنها وزير خارجية قطر في بريطانيا قبل ساعات قليلة من إعلان البيان المشترك، طرح بلغة رصينة ومتماسكة ملامح المرحلة المقبلة، مخاطباً عدة أطراف دفعة واحدة، منها النظام القطري نفسه، والوسيط الكويتي وغيره من الوسطاء المحتملين غير المعلنين، والدول الكبرى المعنية بالأمر وعلى رأسها الولايات المتحدة. فكأن لسان حال دول المقاطعة يقول إننا لن نتراجع عن المطالب التي تقدمنا بها، ولن نرضخ لأيّ ضغوط في هذا المجال، وسوف نستمر في المقاطعة وسوف نتخذ إجراءات جديدة متناسبة مع واقع الحال وفي الوقت الذي نراه مناسباً، والأهم من ذلك كله موضعة الصراع مع قطر في إطار الجهود الدولية لمحاربة الإرهاب، تذكيراً ربما لمن غاب عن أذهانهم بأن مقاطعة قطر منذ البداية جاءت لهذا السبب وليس لأيّ سبب آخر، وأن الأزمة الحالية مع قطر ليست "نزاعاً داخلياً ضمن العائلة الواحدة" كما حاول بعض الإعلام الغربي تصوير الأمر، بل إن مغزاه وتداعياته تتجاوز الطرفين، أي قطر والدول المقاطعة، إلى العالم بأسره، وهو ما يضع حكومات الدول الغربية أمام مسؤولياتها، بقدر ما يحشر النظام القطري وخطابه التسويفي الذرائعي في الزاوية.

ما شهدناه بالأمس إذن، هو بمثابة تمديد غير معلن وغير محدد بزمن للمهلة المعطاة لقطر، بل هو في حقيقته شبه مأسسة لهذه المقاطعة، بمعنى تحويلها من أداة ضغط لتحقيق المطالب إلى سياسة دائمة، وهو ما عبر عنه وزير خارجية الإمارات الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، في التعليقات التي تلت إعلان البيان المشترك، وهو أن قطر اختارت طريق الانفصال والعزلة، وبالتالي لا حاجة إلى المبادرة إلى اتخاذ خطوات تصعيدية مباشرة وآنية من دول المقاطعة، ما دامت الدوحة نفسها اختارت طريق الرفض والاستمرار في التصعيد الفعلي واللفظي، من خلال انتهاج سياسة التقارب المتسارع مع طهران وأنقرة، في وقت بالغ الحساسية، والدور الحقيقي هنا هو على دول الوساطة عربياً وغربياً لتمارس الضغط الكافي على قطر، حتى تتراجع عن سياساتها الحالية، وهو ما يؤشر إلى أن المقاطعة تمضي ولو بوتيرة بطيئة نحو أن تكون انفصالاً تاماً، وهذا لا يحتاج إلى أيّ بيانات أخرى، ما دام واقعاً متحققاً على أرض الواقع.
T+ T T-