الإثنين 24 يوليو 2017

الموقف ونقيضه



سنقف هنا أمام قول لمقدم أحد أكثر البرامج إثارة وهرجاً في قناة "الجزيرة"، الذي تناسلت منه برامج شبيهة في الفضائيات العربية، قائمة على الردح وتبادل الشتائم والتقاذف بكؤوس وقناني الماء بين المتحاورين فيها، لا بل والاشتباك بالأيدي والأرجل، بصورة ابتذلت معها فكرة الحوار والرأي والرأي الآخر.

القول المعني ورد على صفحة هذا المذيع على "فيس بوك"، ننقله هنا حرفياً، وهو كالتالي: "بعد أن أصبح المخطط مفضوحاً تماماً، على السوريين جميعاً أن يشكروا ربهم أن هياكل الدولة السورية ما زالت موجودة بغض النظر عن النظام أو الحكومة التي تديرها. عليهم أيضاً أن يشكروا كل الجهات التي منعت سقوط الدولة السورية. انظروا إلى البلدان العربية التي سقطت فيها الدولة أين أصبحت. من السهل جداً أن تقضي على الدولة لكن من الصعب جداً أن تبني دولة. لاحظوا كيف انتهت الدولة الصومالية، وكيف استمرأ الصوماليون العيش بلا دولة. على السوريين جميعاً أن يحافظوا على هياكل الدولة بأسنانهم، وأن يعلموا أن الدولة شيء والحكومة والنظام شيء آخر تماماً، وليعلموا أيضاً أن أسوأ أنواع الدول أفضل من لا دولة وليعلموا أيضاً أن أهم اختراع إنساني منذ مئات السنين هو الدولة".

ومع أن المذيع طرح هذه الفكرة كما لو كانت موضوعاً للنقاش حوله، إلا أنه في "بوستات" لاحقة أكدّ انحيازه لها تماماً واستطرد في الشرح مؤيداً لها، ما كنا لنقف أمام الموضوع لولا أن هذه الفكرة الصحيحة تماماً أتت على لسان معد ومقدم برنامج دأب خلال السنوات الماضية على التحريض ضد الدولة لا في سوريا وحدها، وإنما في بلدان عربية أخرى، انتهى بها الحال إلى "الصوملة" تماماً، أي انهيار الدولة وتشظي أراضيها إلى مناطق وجهات يديرها زعماء الطوائف والمذاهب والقبائل، وتتحكم في حياة الناس وأرزاقهم ميليشيات مؤتمرة بأوامرهم، تنتهج أساليب قطاع الطرق واللصوص ومحترفي القتل على شاكلة "داعش" و"النصرة"وغيرهما.

توقيت قول هذا المذيع يأتي تماماً في اللحظة التي بدأ اللاعبون الدوليون والإقليميون يعيدون الحساب في الذي جرى ويجري، وصار الغطاء يرفع عن هذه الميليشيات واحدة بعد الأخرى، لا بل وتجري مطاردتها من موقع إلى آخر، فتنحسر، يوماً عن يوم، مساحة المناطق التي استباحتها وارتكبت فيها أبشع الموبقات والجرائم.

وإذ لم يعد بوسع صاحبنا ومن هم من طينته، التمادي في اللعبة القديمة، "تذكّر"، بغتة، أهمية وجود الدولة وضرورتها لصون وحدة البلدان وما عليها من عباد، وما يقود إليه تحللها وغيابها من كوارث رأيناها مرأى العين، فراح، كأنه اكتشف البارود، ينظر للفرق بين الدولة والنظام، وهو أمر ما فتأ العقلاء ينبهون إليه.
T+ T T-