السبت 18 نوفمبر 2017

أي استراتيجية للتعامل مع قطر؟

تعبيرية (أرشيف)
تعبيرية (أرشيف)


على الرغم من الرسائل المتناقضة حول الوساطة الأمريكية لحل الأزمة القطرية، فضلاً عن أقاويل حول أدوار أخرى، فإنني لست من الذين يتوقعون أن تتراجع قطر عن سياساتها، وتتجاوب مع مطالب الدول الأربع وتقبل التهدئة وجهود الوساطة، كما أنني لست من الذين يتوقعون أن تكون هذه المواجهة قصيرة أو سهلة، وذلك ما لم يتم فرض تنازلات على الدول الأربع، وهو أمر يصعب حدوثه أيضاً ما لم تحدث تسوية فريدة غير متوقعة حتى الآن، وفي الواقع أن فهم دلالات المسألة القطرية ضروري لفهم هذا التعقد والصعوبة بهذا الصدد.

1- نقطة البدء إذن، والتي سبق لي تناولها في مواضع أخرى، هي ضرورة التعامل مع الظاهرة القطرية، بوصفها أحد أهم أبعاد الصراع ضد فكرة توظيف الإسلام السياسي للدين الإسلامي للسيطرة على المنطقة والحصول على نفوذ سياسي، ومفاد هذا الرأي أنه لا أحد ينازع في أن قضية الإرهاب والعنف باسم الدين تستند إلى عدة أسباب ودوافع يمكن اختزالها في التفسير الديني المغلوط، والبيئة الاقتصادية والاجتماعية الحاضنة، إلا أن العنصر الحاسم هو التوظيف السياسي لهذه الظاهرة، ذلك أن التفسير الديني المغلوط وهذه البيئة الحاضنة ظواهر وأبعاد لم تتوقف عن الظهور عبر تاريخ العرب والمسلمين والبشرية عموما، إلا أن دراسة التاريخ المتأنية تشير إلى أن هذه الأبعاد تصبح مصدرا للإرهاب والعنف عندما يتم احتضان هذه الظاهرة سياسياً ومالياً، واستخدامها لخدمة أغراض محددة، وفي الواقع أن هذا حديث يطول وقد نعيد عرضه ومناقشته في موضع لاحق.

2- نشأت الظاهرة القطرية في ظل ظروف خاصة من خلال مجموعة مواصفات، وبسبب تولد مشاعر سلبية لدى الحكم القطري ضد عدد من الأطراف العربية الرئيسية لأسباب ليس هنا موضع عرضها، ولكن كثيراً منها واهٍ، مما أدى إلى شكل من التفاعل مع عناصر من الإخوان المسلمين التي استضافها تعاطفاً أو بناء على طلب غربي أو بريطاني بشكل خاص، قاد هذا إلى خلق نموذج أو تركيبة خاصة تشكلت مع توفر سيولة مالية هائلة قياساً إلى حجم السكان والمساحة لهذه الدولة، هذه التركيبة لا تتوفر حتى لإسرائيل، فيما يتعلق بالانتماء العربي الإسلامي من ناحية، ومن ناحية أخرى هذه السيولة المالية سابقة الذكر ما أمكن توليد النموذج التحريضي لاستراتيجية فرض الإسلام السياسي على المنطقة، وهنا نجد من ناحية موقف غربي غير متماسك وعلى قدر من التردد، ولكن مؤسساته الفاعلة تجاه المنطقة لا تزال ترى هذه الفكرة هي الإطار الأنسب لمستقبل هذه المنطقة أو لإعادة صياغة المنطقة، أو لأن هذه الوسيلة ستوفر هدنة مع التيارات المتشددة مع إلهائها بمعركة خارج أراضيها، وهو ما ثبت عدم نجاحه، ومن ناحية أخرى 3 نماذج من التوظيف السياسي للدين إقليمياً، النموذج الأول إسرائيل- كالنموذج اليهودي- والنموذج الثاني إيران للإسلام السياسي الشيعي الاثني عشري، ثم النموذج الذي انضم لاحقا وهو النموذج التركي للإسلام السياسي السنى ـ وتحديداً تياره الرئيسي- أي الإخوان المسلمين، بنفس حالة الالتباس في علاقة هذه الحركة بالتنظيمات الأكثر تشدداً كداعش أو القاعدة.

الخلاصة إذن أن المواجهة ضد قطر ليست ضد هذه الدولة الصغيرة، ولا حتى بإمكاناتها المالية والإعلامية الضخمة، وإنما هي مواجهة شاملة ضد ما يمثله هذا المشروع السياسي- المدعى كذباً الإسلام- من هنا يمكن فهم وتفسير مواقف تركيا وإيران من هذه الأزمة، كما تأتي المواقف الغربية الملتبسة والتي كشفت نفسها بالنهاية وخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا.

3- الشاهد أن استراتيجيات الدول الأربع- مصر والسعودية والإمارات والبحرين، تواجه تحديات وصعوبات جمة نتيجة لمستوى التحدي والتعقد الذي تمثله الظاهرة القطرية، وبسبب المواقف الغربية السلبية وبسبب الآلة الضخمة للإعلام القطري التي استطاعت استيعاب الصدمة وبدأت الهجوم المضاد واستطاعت في فترة وجيزة أن تصور إجراءات الدول الأربع وكأنها حصار يستهدف حرية الرأي والإعلام، وليس مكافحة الإرهاب، في وقت يواصل فيه الإعلام الآخر مخاطبة الذات والاستهانة بالخصم والذي لولا أنه خصم صعب لما كانت هذه المواجهة من الأساس ما يقتضى استراتيجية هادئة ومركبة وسياسة نفس طويل.

4- وأحد العناصر الرئيسية المطلوبة لهذه الاستراتيجية هي خطة تحرك إعلامي متماسكة ومحترفة تتجنب اللغة المنفعلة، تبدأ بعدم التركيز على قناة الجزيرة وإنما تربط نشاطها بخطاب التحريض والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وتوثق تجاوزاتها التي تورطت في رسائل وتجاوزات كثيرة وللأسف لم يحدث هذا التوثيق حتى الآن، رغم أن الدعوة لهذا عمرها عدة سنوات، وهناك الكثير من السقطات الإعلامية لهذه القناة، والتي لم تسلط عليها الأضواء بشكل كاف، وفي جميع الأحوال مهم ألا يبدو الأمر وكأن الإشكال الرئيسي لقطر في قناة الجزيرة، كما أنه لا ينصح استمرار انهماكنا في الحديث لأنفسنا إعلامياً بشأن الأمر وإنما يجب استخدام كل الإمكانات الدبلوماسية والإعلامية للدول الأربع في هذه المواجهة.

5- لم يعد من الممكن استمرار إبقاء أي معلومات أو أدلة تثبت إدانة قطر دون كشفها الآن دولياً وإحراج أي طرف غربي يريد مواصلة هذه الازدواجية وإنهاء اعتقاد هذه الأطراف الغربية بإمكانية الاستمرار في توظيف هذه الأداة ودون اكتراث لاستمرار تحمل دول المنطقة هذا الثمن الباهظ في كافة نواحي الحياة، كما أنه يجب إدراك أن رضوخ الدول الأربع لضغوط غربية دون تراجع قطري سينتج عنه أضرار بالغة لن يمكن احتواؤها على صعيد المواجهة ضد فكرة فرض الإسلام السياسي على المنطقة، فضلاً عن استهداف مصداقية وتماسك الدول الأربع، ما يعني أنه لا يوجد بديل عن استراتيجية نفس طويل وعمل دؤوب لمواجهة هذا الخصم الذي ليست قطر إلا قشرة خارجية له.
T+ T T-