الجمعة 24 نوفمبر 2017

تركيا بعد عام على محاولة الانقلاب!!

أمير قطر الشيخ تميم والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.(أرشيف)
أمير قطر الشيخ تميم والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.(أرشيف)


تبدو المغامرة التركية في الدوحة سيئة الأداء والتوقيت، إذ لم تضع في الحسبان تعقيدات المشهد الخليجي، وإمكانية فقدان المزيد من الأصدقاء، واستعداء قوى فاعلة في العالم العربي
شهدت تركيا، في مثل هذه الأيام قبل عام، محاولة انقلابية فاشلة للإطاحة بالنظام الأردوغاني، أسفرت عن مقتل 300 من المدنيين والعسكريين، وإيقاف 140 ألف موظف في الدولة عن العمل، واعتقال قرابة 50 ألفاً غيرهم بتهمة التآمر والتواطؤ مع الانقلابيين.

لم تغب عن أعين المراقبين في تركيا وخارجها، في الأيام الأولى التي أعقبت المحاولة الفاشلة، حقيقة أن النظام الأردوغاني يتخذ مما وقع ذريعة لحملة تطهير واسعة تطال خصومه الحقيقيين أو المُتوّهمين في مختلف أجهزة الدولة. ومع ذلك، يبدو أن حملة التطهير لم تتوقف بعد. ففي مناسبة الذكرى الأولى، للمحاولة الانقلابية، صدرت يوم الجمعة الماضي قرارات جديدة طُرد بموجبها من الخدمة 7500 من العاملين في الشرطة والجيش والوظيفة العمومية بدعوى التعاطف مع الانقلابيين.

وبينما تجري، في الوقت الحاضر، محاكمة ما يزيد على مائتين من المتهمين بالمشاركة في المحاولة الانقلابية، فإن حقيقة ما جرى في ليلة الانقلاب لم تتضح بصورة كافية بعد. فمن الثابت، الآن، أن أمر المحاولة الانقلابية قد افتضح قبل وقوعها بعدة ساعات، وتلك كانت فترة كافية لاعتقال رؤوس المتآمرين لتفادي ما أعقبها من أحداث دامية. لذا، وكما ذكرت مجلة دير شبيغل الألمانية، ثمة أسئلة بلا إجابة واضحة: هل كان عدم التصدي للانقلابيين مصيدة للإيقاع بهم، أم نجم عن فوضى وتردد وسوء إدارة للأزمة؟

لن يعثر أحد على جواب مُقنع لأسئلة كهذه في وقت قريب. ولكن من المؤكد أن المحاولة الفاشلة وفّرت للنظام الأردوغاني فرصة الفتك بالمشكوك في ولائهم، وإحكام القبضة على كل أجهزة ومفاصل الدولة. والأهم من هذا وذاك أنها تحوّلت إلى ذريعة لإدخال تغييرات بنيوية على بنية الدولة لنقل تركيا من النظام البرلماني إلى الرئاسي، بما يعني منح أردوغان سلطات استثنائية، وتقويض اللعبة الديمقراطية من الداخل.

ولا يبدو ما تم حتى الآن كافياً على الرغم من العدد الهائل للمعتقلين، والمسرّحين والموقوفين عن العمل. فقبل أيام قليلة، طالب أردوغان بفصل رؤوس المتآمرين عن أجسادهم، إذا وافق البرلمان على إعادة العمل بعقوبة الإعدام. وفي أمر كهذا ما يمثل تصعيداً لشهوة القتل، ومحاولة لتحويل المتهمين في الانقلاب إلى وسيلة إيضاح لقدرة النظام الأردوغاني على البطش والتنكيل.

ومع ذلك، فإن المسيرة الاحتجاجية، التي قادها زعيم حزب الشعب الجمهوري المُعارض، وضمت قرابة المليون من المواطنين، تدل على حقيقة أن المعارضة، التي وقفت ضد المحاولة الانقلابية للحيلولة دون استيلاء الجيش على السلطة، تستجمع قواها، وتنظّم صفوفها، للوقوف في وجه التوجهات السلطوية للنظام الأردوغاني المُعادي للتعددية السياسية، والساعي إلى تفريغ اللعبة الديمقراطية من مضامينها الحقيقية.

وإذا قرأنا هذا على خلفية إخفاقات متلاحقة على كل جبهات السياسة الخارجية تقريباً، فمن "صفر مشاكل"، الشعار الذي طرحه النظام الأردوغاني في بدايته، يصح الكلام اليوم، وبعد سلسلة رهانات ومغامرات فاشلة، عن علاقات متوترة مع دول الإقليم والعالم، بما في ذلك حلفاء تقليديين وأقوياء كالولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وبشكل خاص ألمانيا.

وفي سياق كهذا يمكن النظر إلى آخر الرهانات الأردوغانية الجامحة، وهي تتمثل في محاولة تحويل قطر إلى حصان طروادة للتسلل عسكرياً إلى منطقة الخليج. فالنظام الحاكم في الدوحة يحتاج جنود أردوغان لتأمين سلامة وبقاء الحكّام، وأردوغان يحتاج الدوحة للحصول على ورقة إضافية لترجمة الحضور العسكري إلى ورقة ضغط سياسية في الخليج.

وكما في كل الرهانات والمغامرات الأردوغانية السابقة، تبدو المغامرة التركية في الدوحة سيئة الأداء والتوقيت، إذ لم تضع في الحسبان تعقيدات المشهد الخليجي، وإمكانية فقدان المزيد من الأصدقاء، واستعداء قوى فاعلة في العالم العربي، والإقليم، والعالم بشكل عام.

بمعنى آخر، في الذكرى الأولى للمحاولة الانقلابية الفاشلة، لا يبدو أن النظام الأردوغاني قد استخلص ما تستدعي من دروس، فشهوة الدم والانتقام تبدو أقوى من حسابات العقلانية السياسية. ويبدو أن رده الوحيد على الفشل في رهانات ومغامرات السياسة الخارجية يتمثل في المزيد من الرهانات والمغامرات، التي لن تكون، على الأرجح، أفضل حالاً من سابقاتها. هذه هي صورة تركيا الأردوغانية بعد عام على محاولة انقلابية فاشلة. وهي ليست مُطمئنة أو إيجابية في كل الأحوال.  
T+ T T-