الأربعاء 26 يوليو 2017

عملية القدس تكشف بؤس الجميع

شهيد فلسطيني قضى برصاص الجيش الإسرائيلي في القدس.(أرشيف)
شهيد فلسطيني قضى برصاص الجيش الإسرائيلي في القدس.(أرشيف)


الانفجار قادم لأن الهدف لم يتغير، ولأن الفلسطينيين لم يتنازلوا عن حقهم في الحرية، ولم يستبدلوا تراث الثورة بإرث التسوية، وليس الحي أبقى من الميت إلا في حسابات السماسرة
لم يكن الزعيم الشهيد ياسر عرفات شاعراً غنائياً ولا خطيباً مفوهاً، حين كان يخاطب "شعب الجبارين" ويستنهض الروح المقاومة في شعب لا يستبدل الحرية بأي ثمن.

كان أبو عمار، بحسه الواقعي، يدرك قوة الفعل الشعبي وقدرة الشارع على تغيير المعادلات السياسية أو نسفها، وكان يعرف أن طفلاً فلسطينياً في العاشرة من عمره يستطيع شطب اتفاق دولي برعاية القوى العظمى، لذا كان يستذكر الطفل الشهيد "الجنرال" فارس عودة الذي تصدى بجسده وحجارته لدبابات الاحتلال على مشارف غزة.

مرت سنوات طويلة وكئيبة بعد رحيل عرفات، وعاش الفلسطينيون وما زالوا أزمان الفرقة والانقسام والرهانات الخائبة على سلام مذل مع الاحتلال، وجاءت قيادات وحكومات عملت على تحويل الضفة إلى جمهورية فيشي وجعل غزة نسخة من قندهار. وحاول رموز الانقلاب في الضفة والقطاع أن يرسخوا حالة اللافعل، لكنهم فشلوا، ولم يفلحوا في إقناع الفلسطيني بجدوى التعايش مع الغرباء القادمين من وراء البحار، أو القبول باحتلال "أبناء العم" للتراب الذي يكتسب قدسيته الوحيدة من كونه فلسطينياً.

ولعله من قبيل المصادفة الواقعية أن تكون عملية الأقصى الأخيرة ممهورة بأرواح ورصاص ثلاثة ثائرين من "الجبارين". ولعله من باب تأكيد المصداقية التسووية أن تبادر سلطة الانقلاب في رام الله إلى إدانة العملية البطولية وتقديم العزاء لحكومة الاحتلال بقتلاها العسكريين.

في المحيط العربي لم تكن الصورة مختلفة، ولم يفاجأ الفلسطيني بصمت العواصم العربية، وتأكد مرة أخرى سقوط الرهان على النظام الرسمي العربي. أما الهبة الأردنية التي كسرت صمت العرب، فقد كانت طبيعية تماماً لاعتبارات كثيرة خارج سياق الشعار والخطاب السياسي، لأن الدم الواحد في العروق حقيقة حياتية لا يصيغها أو يغيرها الهوى السياسي.

الآن، تسارع إسرائيل في تنفيذ خطتها للتقسيم الزماني والمكاني في المسجد الأقصى، وتحظى الخطة الاسرائيلية بمباركة أمريكية ورضا إقليمي يعبر عن نفسه بصمت القبور. وسوف يتم تنفيذ الخطة كاملة رغم الإدعاء الرسمي بمعارضتها، وقد حدث ذلك قبل سنوات في الحرم الإبراهيمي في الخليل، وتحول التقسيم إلى أمر واقع.

وإذ يمضي الاحتلال في تنفيذ خطته وفي مشروع تهويد القدس كلها، فإنه يدرك أن المعيق الوحيد لهذا المشروع التوراتي هو الشارع الفلسطيني، وليس سلطة انقلابية تسووية في رام الله أو سلطة انقلابية ظلامية في غزة، لذا تلجأ سلطة الاحتلال إلى تكثيف تعاونها وتنسيقها الأمني مع جماعة أوسلو وبقايا الدايتونيين للحيلولة دون إزعاج مشروع التهويد بعمليات تخرج من الضفة، وتطمئن في الوقت ذاته إلى إجراءات أجهزة حماس لضمان أمن الحدود مع الكيان ومنع تسلل الفلسطينيين عبر السياج الحدودي لتنفيذ عمليات تفجير أو اختطاف.

لكن الحرص السلطوي والحمساوي على التنسيق والتهدئة لن يكون كافياً لمنع الانفجار القادم، فنحن على أعتاب نهاية مرحلة وبداية أخرى في الصراع الذي ينبغي ألا ينتهي مع الغرباء.

الانفجار قادم لأن الهدف لم يتغير، ولأن الفلسطينيين لم يتنازلوا عن حقهم في الحرية، ولم يستبدلوا تراث الثورة بإرث التسوية، وليس الحي أبقى من الميت إلا في حسابات السماسرة ووكلاء البزنس في الضفة وتجار الأنفاق في غزة.

أما الواهمون الحالمون بإطالة عمر النهج الأوسلوي فإنهم منذورون للصدمة.
T+ T T-