السبت 18 أغسطس 2018

النوايا الإخوانية في انتخابات تونس البلدية

القياديان في حركة النهضىة راشد الغنوشي وعبدالفتاح مورو.(أرشيف)
القياديان في حركة النهضىة راشد الغنوشي وعبدالفتاح مورو.(أرشيف)


خطاب راشد الغنوشي الاخوانيّ لا يختلف عن خطاب صديقه الإخواني البرلماني عبد الفتاح مورو، فالاثنان يدعيان الانفتاح على الآخرين، ويدعوان الجميع إلى اقتسام كعكة البلدية، وهو انفتاح الذي يشبه إلا فم التمساح
١-
تسعى حركة النهضة الإخوانية في تونس، وضمن خلايا مستيقظة ومتناومة إلى أن تكون حاضرة بالقانون، أو متسربة بالحيلة أو مخترقة لجميع الهيئات الاجتماعية والقانونية والاقتصادية وحتى في تلك القطاعات التي جرت العادة أنها لا تعني الاخوان المسلمين، وهم منها برآء حقاً: مثل الثقافة والفنون.

والنهضة التونسية تعلمت دروساً ولكنها لم تتغير، كانت تتلوّن، وتتهندس، وتتلبَس حتى تكون مقبولة، هذا هو دربها ودأبها، فقد أدركت أن أمرها الديني والأخلاقي قد انفضح بعد فترة حكم الإخوان في تونس كما في مصر، فلقد كانت فترة حكم الترويكا التونسية موصومة بكوارث وأخطاء فادحة العواقب، ولن تكون مهمة تونس سهلة في إصلاح هذه الأخطاء على المدى البعيد، وبعض انجرارات هذا الحكم سبب في تشوهات حتى بالبنية الأخلاقية في نفوس الشعب العريض الذي تصور الإخوان قادمين بالأيدي الطاهرة النظيفة لإصلاح الفساد.

٢-
كانت "النهضة" الإخوانية تدرك أن الريح السياسية الدولية لم تعد تجري كما يشتهي البرنامج الدولي للإخوان، فالمحيط السياسي الاجتماعي شهد ويشهد تراجعاً كبيراً في المدّ الشعبي والتعاطف الذي كان مع الإخوان.

وأحسّت "النهضة" أن المناخ العالمي بات يضيّق على الإخوان وأخواتهم، وصاروا يحسبون خطاهم، وهناك اتهامات من بعض الأحزاب التونسية للنهضة بأنهم سعوا بسبل مشبوهة، للضغط على أصوات من الكونغرس الأمريكي حتى لا تُصنَّف هذه "النهضة" ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية، وصارت تسعى للتراجع التكتيكي على رأي الزعيم الشيوعي لينين (خطوتان إلى الامام، خطوة إلى الوراء) ، فالإستراتيجية الإخوانية ثابتة لا تتغير: إقامة دولة الخلافة، وإسقاط دُوَلُ الكفر.

٣-
أحس التحرك الإخوانيّ في تونس بالضيق السياسي، بقيادة راشد الغنوشي (كقائد أوحد لا يناقشه أحد إلا وطرد، ولا تٰرَدُّ له كلمة، فهو الصوت الأعلى رغم الادعاءات بأن النهضة فيها شورى: أي ديموقراطية إسلامية)، ولذلك بات يتحسس راشد الإخواني المنافذ للخروج مما يمكن أن يعد مأزقاً، ومقتلاً للحركة التي تريد أن توهم الشعب بأنها تتنفس بأموالها الخاصة، وبمساعدة منخرطيها، وقواها الذاتية، بعد أن ارتفعت أصوات في مجلس النواب بمطالبة الاحزاب بالشفافية المالية، ومعلوم أن حزب النهضة لا يستطيع أن يعوّل على إمكاناته الفردية، فالمساعدات الخارجية المجهولة مجهولة المصدر وَالمشبوهة هي، في الأساس من دولة قطر التي باتت تعاني من الحصار المفروض والرقابة المشددة على نشاطها المصرفي، وقد سبق أن أغدقت الكثير على حزب النهضة، وعلى الجمعيات التي تدعي أنها خيرية التوجه، ثم تبين أنها ليست غير فروع وروافد تصبّ في النهرالإخواني.

٤-
كانت الحيلة التاريخية التي لجأ اليها الإخوان في حزبهم، على مستوى القيادات خاصة، وليس على مستوى القواعد، هي ان الحزب يريد أن يكون بيتًا واحداً ذا بابين اثنين:
الباب الأول دعويّ لكسب الآخرة، وَميدان العمل والتحرك في هذا الباب واسع شاسع يمتد من الجمهور في الشوارع الى جموع المصلين في المساجد والجوامع.

والباب الثاني سياسي هدفه قيادة الحياة اليومية والمعايشة الحزبية. وأداتهم في هذا هي مؤسسات المجتمع المدني مثل البرلمان وغيره من المؤسسات المختلفة، وكذلك البلديات.

إذاً، يوجد الدين لدى النهضة، لمن شاء الدين ورام الزهد، وتوجد الدنيا لمن رام الانخراط في الحياة السياسية.

وها هي حركة الإخوان مشغولة بالانتخابات البلدية وهي تعول عليها لإنجاز تغلغلها في النسيج الاجتماعي.

وهكذا، لا يسعى الإخوان إلى التنصل من الدين، ولا من الدنيا، ففي "النهضة" ما يرضي الرب وما يرضي الشعب.

٥-
أما الحيلة التاريخية الأخرى فتتمثل في سعي الزعيم الإخواني راشد الغنوشي في خطابه الأخير إلى تأكيد ما يلي:

-الإلحاح على نجاح وإنجاح ما سماه "الثورة" بعد خلع الشعب التونسي لنظام بن علي، وكسب الشعب حرية التعبير والانتخاب الحر بلا خوف من التزييف.

- الرهان الكثير على الانتخابات البلدية القادمة (موضوع خطابه الأخير)، بل إن النهضة تعتبرها أم المعارك السياسية لأنها المعركة الأساس التي تحلم بربحها والنيل من مغانمها على المدى البعيد، هي (البلدية) فهي الحاسمة في حسابات النهضة.

٦-
ما الجديد في خطاب الغنوشي، وخطاب عبد الفتاح مورو حول الانتخايات البلدية نهاية هذا العام؟

لقد حرص الشيخان على تقديم النهضة كحزب حاضن واسع الصدر، وجاهز لاستقبال الجميع، فهما يعلمان أن للنهضة ماكينة (آلة) تنظيمية وإعلامية وحزبية قوية ومتماسكة وله جيش وفيالق على مستوى المواقع الاجتماعية، وقد دعا الشيخان الغنوشي ومورو الجميعَ الذين لا قوائم لهم ولا قواعد لهم، إلى أن يأتوا إلى قوائم النهضة التي ترحب بهم، وتربح بهم أنصاراً، بعد أن خسرت من انتخبوها في السابق.

٧-
إن نية النهضة تتجه الى الفئات التالية:

- الشباب الحالم والوجوه الجديدة الغافلة عن نوايا الحكم والتسلط لدى هذا الحزب الذي لا يتغير مهما ادعى تغيير جلده.

- جلب انتباه الشباب المتسيّس الذي انخرط في الأحزاب الجديدة والتي لا تملك آلة حزبية، ولا توفر فرصة انتخابية مثل تلك التي توفرها حركة النهضة.

- تمييع المشهد السياسي ككل، فيختلط أمر المترشحين ولا يعرفون: هل هم من النهضة؟ أم من قوائم النهضة فقط؟

وفي هذا الالتباس تريد أن تحيا النهضة وتزدهر وتنتشر.

٨-
إن خطة النهضة في الانتخابات البلدية تعكس:

- غياب الكوادر الحقيقية والشعبية في قواعد النهضة.

- رغبة النهضة في أن تندسّ في الشعب بغير وجوهها الإخوانية.

- عدم رغبة النهضة في تحمل مسؤولية الفشل، إن حصل، فالفشل كما نعرف لا أحد يتبنّاه.

٩-
خطاب راشد الغنوشي الاخوانيّ لا يختلف عن خطاب صديقه الإخواني البرلماني عبد الفتاح مورو، فالاثنان يدعيان الانفتاح على الآخرين، ويدعوان الجميع إلى اقتسام كعكة البلدية، وهو انفتاح الذي يشبه إلا فم التمساح.
T+ T T-