الجمعة 15 ديسمبر 2017

النفيسي عرّاب المعلومات الخلّاقة

الكاتب الكويتي عبدالله النفيسي.(أرشيف)
الكاتب الكويتي عبدالله النفيسي.(أرشيف)


كل ما عليك فعله يا أيها القارس، هو وضع اسم النفيسي محل نوسترداموس وتخيله وهو يتلفظ بهذه الرباعيات التي طور النفيسي تقنياتها في كثير من أحاديثه، وهنا ستدرك حجم التلاعب الذي يقوم به كل من ارتدى عباءة نوسترداموس في العصر الحديث
الدكتور عبدالله النفيسي كانت عنده لحية شبيهة بلحية أبي بكر البغدادي، وبما أن أبوبكر البغدادي هو مؤسس تنظيم داعش، إذن عبدالله النفيسي هو وزير الثقافة في دولة داعش!

هذا هو الأسلوب السفسطائي الفوضوي في ربط المقدمات الصحيحة بالنتائج الباطلة والمُضللة، وهو نفس الأسلوب الذي يتبعه الدكتور النفيسي في تحليلاته السياسية والفكرية منذ طفا على سطح المجال الأكاديمي، وكانت آخر صيحاته غير الصادمة هو أن محمد دحلان هو من يحكم الإمارات، وبما أن إسرائيل هي من تحكم محمد دحلان، إذاً إسرائيل تحكم الإمارات! وهذه هي مغالطة الاحتكام إلى النتيجة والتي مثل لها د.عادل مصطفى في كتابه "المغالطات المنطقية" بالمثل التالي: "اعتقاد الطفل بوجود بابا نويل يجعله سعيداً ومهذباً إذن بابا نويل موجود"! فقد عجز الدكتور عن خلق أدلة تُعضد ادعاءاته فلجأ إلى استخدام الرابط "النفيسي" بين الأحداث التي لا تروق له من أجل خلق واقع مُشوه يروق له.

تابعت الدكتور عبدالله النفيسي أكثر من ١٥ سنة من خلال لقاءاته التلفزيونية والصحفية التي كان يحرص فيها على تقديم صدمات منخفضة وعالية التردد في آن واحد باستخدام نبرة صوتية دافئة ومُلفتة، كان بذلك يضمن أنه سيأسر المشاهد الذي يسمع معلومات إما صحيحة لكنها مُحرفة تحريفاً مُحترفاً، أو معلومات خارقة لا يمكن التحقق من صحتها إلا من قبل متخصصين نادرين، أو معلومات غير مترابطة يريد منها استعراض قدرته على استحضار الأحداث والتواريخ من أجل تشتيت المُستمع ذهنياً وإبهاره بمعلومات أستطيع أن أسميها بالمعلومات الخلّاقة التي تخلق معلومات أكثر زوراً وتلفيقاً إلى ما لا نهاية.

فمثلاً قد يخبرك الدكتور عن مخطوطة نادرة تنبأت بسقوط دول الخليج في عام ٢٠٢٥ وجدها على يسار الطاولة في الرف السابع من الطابق التاسع في مكتبة الكونغرس الأمريكية عند مستر "آرموز هوغن" خبير المخطوطات العالمي خريج جامعة هارفارد، والذي ألف كتاباً في شرح دوافع الماسونية في الخليج باللغة المندرينية القديمة التي لا يُجيدها إلا خمسة أشخاص في إقليم التبت، والذي تم حصاره من قبل الحكومة الصينية التي انفصلت فكرياً عن النهج اللينيني الماركسي بعد وفاة "ماو تسي تونغ" الذي فشل في استخراج الصين من مستنقع التخلف في مرحلة الثورة الثقافية إبان الحرب الأمريكية الفيتنامية، والتي عارضها الأستاذ "آرموز هوغن" بشدة وسجن بسببها في غياهب السجن بعدما فصلته جامعة هارفارد بسبب تغيبه عن امتحانات نهاية الفصل الدراسي الثالث!

ستجد في الفقرة زخماً مضطرباً من المعلومات التي لا يُعرف أولها من آخرها ولا مقدمتها من نتيجتها ولا سياقها من مُرادها ولا الحقيقية منها من الزائفة، وهكذا هي محاضرات الدكتور النفيسي -في كثير من الأحيان- تماماً مثل تقلباته الفكرية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، والتي استقصاها الاستاذ علي العميم في كتابه النفيس عن الدكتور النفيسي، والذي عُرف بكونه مزاجياً واستعراضياً ومتقلباً وغير منضبط في قالب فكري واحد تتجانس فيه أقواله مع أفكاره، فهو مرة في صف اليسار الثوري الذي أيد علانية احتلال جهيمان للحرم المكي في نهاية عام ١٩٧٩ومرة أخرى تجده في مانشيت مجلة المجتمع التابعة لجمعية الإصلاح الإخوانية بوصفه قُطب المعارضة الإسلامية في مجلس الأمة الكويتي، مرة ستجده في صف الثورة الإسلامية في إيران ومرة في صف الشاه الذي قامت ضده نفس الثورة، مرة ستجده في صف الحداثيين ومرة في صف الإسلاميين الراديكاليين مثل أبو الأعلى المودودي وسيد قطب الذين هم أعداء الحداثة والتمدن في القرن العشرين، مرة ستجده في صف حزب التحرير الإسلامي الداعي إلى عودة الخلافة مجدداً ومرة في صف الديمقراطية الغربية الداعية إلى انتخاب الحاكم بالاقتراع المباشر والذي يخالف أسس اختيار الخليفة المحصور في أهل الحل والعقد.

منذ القِدم والناس تبحث عن "شامان" يحل لها مشاكلها ويخفف عنها آلامها، والنفيسي أتقن لعب دور المُتنبئ الذي هو أقرب إلى العرافة والتنجيم منه إلى كبير خبراء استشراف المستقبل، فلسانه الانسيابي يُمكنه من ولوج هذا المضمار وإيجاد آذان باحثة عن الوهم والمفاجآت والمُسكنات الموضعية، ولا يختلف النفيسي كثيراً عن المتنبئ الشهير نوسترداموس الذي يتقاسم معه الكثير من الصفات التخيلية والتبجيلية، وكما رسم محبو النفيسي صوراً متضادة عنه، كذلك فعل أتباع نوسترداموس الذي مرة تصوروه أنه مسيحي، ومرة يهودي، ومرة هو عضو في جمعية (الوردة-الصليب) السرية، ومرة هو عضو في كنيس التوراتيين الممهد لخروج هيكل سليمان وعرش النبي داوود، ومرة هو عضو في المجمع الماسوني العالمي الذي تسيطر عليه الصهيونية القديمة والحديثة، وادعوا أنه أول من تنبأ بقيام الثورة الفرنسية والروسية والحرب العالمية الأولى والثانية واحتلال أمريكا للعراق وأحداث الحادي عشر من سبتمبر! جاء في بعض رباعياته التي كتبها في القرن السادس عشر:

(في العام ١٩٩٩ وسبعة أشهر... سوف يأتي من السماء ملك الرعب... وسيعيد إلى الحياة مُلك المغول العظيم... سيحكم قبل الحرب وبعدها في سعادة.
سينساقون وراء حرب متطاولة... وسيتعرض الريف لأخطر اضطرابات... وسينشب النزاع الأعظم في المدينة والريف.
المريخ يهددنا بقوة... وسيتسبب في إراقة الدماء سبعين مرة... سوف يمجد رجال الدين ويلعنون... من لدن أولئك الذين لا يرغبون في تعلم شيء منهم).

كل ما عليك فعله يا أيها القارس، هو وضع اسم النفيسي محل نوسترداموس وتخيله وهو يتلفظ بهذه الرباعيات التي طور النفيسي تقنياتها في كثير من أحاديثه، وهنا ستدرك حجم التلاعب الذي يقوم به كل من ارتدى عباءة نوسترداموس في العصر الحديث، فتستطيع إطلاق مقولات عامة في أي شيء تتحدى بها الناس الذين لا يستطيعون إبطال إدعائك، فعندما تقول إن خريطة العالم ستتغير بعد خمسين سنة وستصبح أستراليا وأفريقيا وكوستاريكا مملكة كونفدرالية متحدة تحت حكم قبائل "التوتسي" فإن الانتظار خمسين سنة هو وحده من سيكشف كذبك خصوصاً عندما لا تُسند كلامك على مُعطيات واقعية، فمع النفيسي لا تُتعب نفسك كثيراً ولا تأخذه على محمل الجد كثيراً، فالزمن وحده كفيل بكشف حقيقة رُباعياته.
T+ T T-