الأربعاء 22 نوفمبر 2017

توحيد نظام التعليم استشراف للمستقبل



سيظل التعليم هو العنصر الفاعل في حركة الشعوب وتقدمها، وسيظل كذلك صمام الأمان الواقي ضد أية تحديات، باعتباره القوة الدافعة لكافة مقدرات وثروات الشعوب.

وعلى قدر نصيبهم منه على قدر كفاءتهم في التعامل الأمثل مع تلك الثروات، بل هو العنصر الفاعل في ابتكار الثروة ذاتها، لذا فإن الشعوب التي سارت في دروب التنمية جعلت من التعليم البداية الصحيحة لانطلاقها، واعتبرته القاطرة الدافعة لباقي المجالات بل والكاشفة طريقها.

ولا شك أن دولة الإمارات العربية المتحدة منذ التأسيس، جعلت من قضية التعليم على قمة الأولويات للقادة المؤسسين، وفي مقدمتهم زايد الخير.

فكانت النهضة التعليمية الشاملة التي توجت بإنشاء جامعة الإمارات، التي أشرف بأني من الدفعة الأولى لهذه الجامعة العريقة، فضلاً عن الاهتمام بأبناء الإمارات وابتعاثهم إلى دول العالم لينهلوا من العلوم، وأشرف كذلك أني أحد هؤلاء الذي عاصروا تلك المرحلة عن كثب وعملوا في الحقل مجال التعليم طوال مسيرتي.

ولا شك أن كل مرحلة تاريخية لا بد لها من أنظمة قادرة على التعامل معها، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو التعليمي، باعتبار أنها عناصر فاعلة في بناء الدولة، ولأن دولة الإمارات العربية المتحدة جسد حي ويقظ فإنه يدور مع رحى العصر في حركة فاعلة على أساس من الأخذ والعطاء والتأثير والتأثر منطلقاً من ثوابته ومتمسكاً بقيمه، في الوقت الذي ينظر فيه بعيون يقظة وفكر ثاقب إلى المستقبل مستوعباً الحاضر وتفاعلاته.

لذا جاءت توجيهات القيادة السياسية الحكيمة بتوحيد الأنظمة التعليمية على مستوى الدولة وفق متطلبات التنمية الشاملة، وبما يلبي متطلبات الأجندة الوطنية وتحقيق رؤية الإمارات 2021، وبخاصة أن المرحلة المقبلة تتطلب البناء على المكتسبات التي تحققت خلال الأعوام الماضية ضمن إطار موحد استعداداً للمستقبل الذي يتطلب نظاماً تعليمياً قادراً على تحقيق الأهداف الوطنية العليا.

وأن تعمل مدارس الإمارات كافة ضمن منظومة متجانسة لتخريج أبناء الإمارات ضمن أفضل المعايير الدولية، وأن تعميم نموذج المدرسة الإماراتية على مستوى الدولة يهدف إلى تقديم نموذج رائد للتعليم بمناهجها ومهارات طلابها ومساراتها وأساليب تقييمها، وإرساء نظام تعليمي يتميز بالمستوى الرفيع من منطلق الإيمان بأن أبناء الإمارات هم المورد الأهم وسط موارد الدولة.

وفي تقديري أن توحيد النظام التعليمي وتعميم نموذج المدرسة الإماراتية هو مهمة أساسية للدولة، باعتبار أنه يحقق المساواة بين أبناء الشعب في مستوى التعليم وأهميته وجودته بما يتيحه من تكافؤ للفرص جميعها، وهو دور أساس تحرص عليه القيادة الرشيدة، وهو ما ينعكس بلا شك على متانة النسيج الاجتماعي بين المواطنين.

كما أنه ضمان حصول أبناء الإمارات جميعهم أياً كان مكان سكناهم على قدر واحد من المادة العلمية وبنفس الدرجة من التجانس، وبما يتيح قدراً من التنافس بين مختلف القطاعات التعليمية والوصول إلى أعلى المستويات في المنافسة على قاعدة من المساواة في المدخلات بين أبناء الوطن، فضلاً على أن تدريس منهج واحد في مختلف المدارس بإشراف قادر على التحرك بين المركزية حين يتعلق الأمر بالقواعد العامة وأسس الانطلاق، واللامركزية في إتاحة المجال للإبداع وابتكار الأفكار الخلاقة.

وإيجاد حالة من التنافس الإيجابي من شأنه أن يساعد على تحقيق الأهداف الوطنية، والتي يأتي النظام التعليمي في القلب منها. وهذا هو شأن الدول الكبرى التي حققت قفزات تنموية هائلة.

وفي مقدمتها اليابان التي كانت المدارس البوابة الأولى التي حولتها من دوله منهارة، تتلقى المساعدات من دول العالم بعد الحرب العالمية الثانية، إلى عملاق اقتصادي، والتي يقوم نظامها التعليمي بالأساس على المركزية في الوقت الذي يسمح فيه لمجالس التعليم بقدر من اللامركزية لمراعاة ظروف كل مقاطعة.

والحق أن توحيد النظام التعليمي وتعميم نموذج موحد للمدرسة الإماراتية هو مبدأ أساس من مبادئ سيادة الدولة ودورها في الحفاظ على الهوية الوطنية لأبنائها وبناء شخصياتهم، بحيث تكون لهم بصمتهم المميزة التي تمثل قوة دافعة أمام التحديات التي تواجه الوطن وفي إطار الحفاظ على المكتسبات، ولن يكون ذلك في ظل شتات فكري أو مشارب تعليمية بعيدة عن الحاضن العام.

وبالنظر إلى أهداف توحيد النظام التعليمي على مستوى الدولة تجدها جميعها تصب في تحقيق الاستفادة المثلى من الموارد المتاحة للنهوض بأداء المنظومة التعليمية في الدولة التي بات عليها الانطلاق بمعايير عالمية وإيجاد أجيال ملهمة قادرة على الإبداع الذي يقوم في الأساس على التخطيط والجهد المستمر في الوقت الذي تم فيه انتقاء الكفاءات التعليمية المتميزة والارتقاء بمهارتها.
T+ T T-