الأربعاء 13 ديسمبر 2017

استفتاء كردستان: نعم موحّدة في مواجهة الإقليم المضطرب

توجه سكان إقليم كردستان العراق صباح اليوم الإثنين، إلى صناديق الاقتراع للمشاركة في استفتاء على استقلال إقليمهم الذي يتمتع بالحكم الذاتي، بحثاً عن تحقيق حلم إحياء دولتهم المفقودة، رغم المعارضة الدولية لتوقيت الاستفتاء الذي من المتوقع أن يثير اضطرابات، في دولة مضطربة أصلاً.

ويشارك نحو 5 ملايين نسمة في مناطق خاضعة لسيطرة الأكراد شمال العراق باستفتاء غير الملزم، وسيجيب المشاركون بنعم أو لا على سؤال "هل تريد إقليم كردستان والمناطق الكردية خارج إدارة الإقليم أن تصبح دولة مستقلة؟".

وفي العقود الأخيرة، زاد تأثير الأكراد في التطورات الإقليمية، إذ قاتلوا من أجل الحكم الذاتي في تركيا، ولعبوا دوراً هاماً في الصراعات في العراق وسوريا، آخرها المشاركة في مقاومة تقدم تنظيم داعش.

فمن هم الأكراد ولم يصرون على الانفصال؟

أصل الأكراد
الأكراد شعب من أصول هندو-أوروبية يتحدرون من القبائل الميدية التي استوطنت بلاد فارس القديمة، وأسست إمبراطورية في القرن السابع قبل الميلاد.

ويعد الأكراد رابع أكبر مجموعة عرقية في الشرق الأوسط، لكن لم تكن لهم أبداً دولة مستقلة، وهم أيضاً أكبر مجموعة عرقية في العالم ظلت بلا دولة عندما قسمت بريطانيا وفرنسا، القوتان الاستعماريتان المنتصرتان في الحرب العالمية الأولى، الإمبراطورية العثمانية.



وظل ملايين كردي بالمنطقة متناثرين في 4 دول هي العراق وإيران وتركيا وسوريا وأطراف الحدود الجنوبية لأرمينيا، وعانوا الاضطهاد وكثيراً ما حرموا من الحق في التحدث بلغتهم، إذا طالما اعتبرتهم حكومات المنطقة عنصر تهديد لوحدتها.

ويختلف تعداد الأكراد باختلاف المصادر بين 25 و35 مليون نسمة، يعيش القسم الأكبر منهم في تركيا ما بين 12 إلى 15 مليون نسمة، حوالى 20% من إجمالي السكان، ثم إيران التي يقيم فيها حولي 6 ملايين أي نحو 10% من السكان، ثم العراق 4,69 مليون نسمة من 15 إلى 20% من إجمالي السكان، وأخيراً سوريا، ويقيم فيها أكثر من مليوني نسمة، أي 15% من السكان، وتعيش أعداد كبيرة من الأكراد في كل من أذربيجان وأرمينيا ولبنان إضافة إلى أوروبا.

وينقسم الأكراد إلى 4 مجموعات هي: الكرمانجي، والكلهود، والكوران، واللور، وكل مجموعة لها لهجة خاصة بها.

تاريخياً، عاش الأكراد حياة قائمة على الرعي في سهول ما بين النهرين، وفي المناطق الجبلية المرتفعة الموجودة الآن في جنوب شرقي تركيا، وشمال شرقي سوريا، وشمالي العراق، وشمال غربي إيران، وجنوب غربي أرمينيا.

كما يتوزع الأكراد على غالبية ساحقة من المسلمين السنة وأقليات غير مسلمة، وعلى أحزاب سياسية علمانية في الغالب.



لماذا لا يملكون دولة؟
في مطلع القرن العشرين، بدأ الكثير من الأكراد التفكير في تكوين دولة مستقلة، باسم "كردستان".

وبعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وضع الحلفاء الغربيون المنتصرون تصوراً لدولة كردية في معاهدة سيفر عام 1920.

إلا أن هذه الآمال تحطمت بعد 3 سنوات، بعد انتصار مصطفى كمال أتاتورك في تركيا، واضطرار الحلفاء للتراجع عن بنود معاهدة سيفر واستبدالها في 1923 بمعاهدة لوزان التي وضعت الشعب الكردي تحت سيطرة تركيا وإيران بالإضافة إلى بريطانيا وفرنسا اللتين كانتا دولتي الانتداب على العراق وسوريا على التوالي.

وانتهى الحالة بالأكراد كأقليات في دولهم السابق ذكرها، وعلى مدار السنوات الثمانين التي تلت، سحقت أي محاولة كردية لتأسيس دولة مستقلة.



نزاعات مع الحكومات
بسبب نزعتهم للاستقلال في كردستان موحدة وجد الأكراد أنفسهم في الدول الأربع التي يتوزعون عليها، في نزاع مع الحكومات المركزية التي ترى فيهم تهديداً لوحدة أراضيها.

أكراد العراق
ثار الأكراد في شمال العراق ضد الحكم البريطاني في فترة الانتداب، لكنهم قمعوا، وفي عام 1946، أسس الملا مصطفى بارزاني الحزب الديمقراطي الكردستاني كوسيلة سياسية للنضال من أجل الاستقلال في إقليم كردستان العراق.

وبعد ثورة عام 1958، اعترف الدستور الجديد بالقومية الكردية، لكن الحكومة المركزية رفضت خطة بارزاني للحكم الذاتي، فأعلن حزبه القتال المسلح عام 1961.

وفي عام 1970، عرضت الحكومة اتفاقاً على الأكراد بإنهاء القتال ومنحهم منطقة حكم ذاتي، لكن الاتفاق انهار واستؤنف القتال عام 1974، وبعد عام، انقسم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وأسس السياسي المعروف جلال طالباني الاتحاد الوطني الكردستاني.

وهاجر حوالي مليون ونصف كردي عراقي إلى تركيا وإيران بعد قمع حركتهم التمردية عام 1991.

وفي نهايات سبعينيات القرن الماضي، بدأت حكومة حزب البعث توطين عرب في بعض المناطق لتغيير التركيبية السكانية، خاصة حول مدينة كركوك الغنية بالنفط، كما قامت بإعادة توطين الأكراد في بعض المناطق قسراً.



وتوسعت الحكومة العراقية في تنفيذ هذه السياسة في ثمانينيات القرن الماضي أثناء حرب العراق وإيران، إذ دعم الأكراد إيران، وفي عام 1988، أطلق صدام حسين حملة انتقامية ضد الأكراد، من بينها الهجوم بالغازات السامة على حلبجة.

وبعد هزيمة العراق في حرب الخليج عام 1991، اشتعلت انتفاضة واسعة في مناطق العراق ومنها كردستان ولشدة قمع الدولة لهذه الانتفاضة، فرضت الولايات المتحدة وحلفائها منطقة حظر جوي على شمال العراق، مما سمح للأكراد بالتمتع بحكم ذاتي، واتفق الحزبان الكرديان على تقاسم السلطة، لكن الصراعات احتدمت، واشتعل صراع داخلي عام 1994، دام لأربع سنوات.

وحالياً يتقاسم قاسم مسعود برزاني قائد الحزب الديمقراطي الكردستاني، وجلال طالباني قائد الاتحاد الوطني الكردستاني، السلطة في إقليم كردستان العراق.

وتعاون الحزبان مع قوات الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، التي أطاحت بصدام حسين، وشاركا في كل الحكومات التي شكلت منذ ذلك التاريخ.

كما شاركا في التحالف الحاكم في الحكومة الإقليمية الكردستانية، التي شكلت عام 2005 لإدارة مناطق دهوك وإربيل والسليمانية.



أكراد سوريا
عانى الأكراد على مدى عقود من تهميش واضطهاد وقمع وحرمان من حقوقهم الأساسية في سوريا، ولم يمنح حوالي 300 ألف من الأكراد الجنسية السورية منذ ستينيات القرن الماضي، وصودرت الأراضي الكردية وأعيد توزيعها على العرب في محاولة "لتعريب" المناطق الكردية.

ولم تتأثر المناطق الكردية كثيراً بالصراع السوري في السنتين الأوليين، وتجنبت الأحزاب الكردية الكبرى اتخاذ أي موقف من أي من طرفي الصراع، إلا أن الأكراد ما لبثوا أن استفادوا من الفوضى التي ولدتها الحرب لإقامة إدارة كردية تتمتع بحكم ذاتي في قسم من المناطق الشمالية.

وفي منتصف عام 2012، انسحبت القوات السورية من المناطق الكردية لتركز على قتال المتمردين في مناطق أخرى، ففرضت القوات الكردية سيطرتها على المنطقة.

وأعلن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي سيطرته، ووطد صلته بأحزاب كردية صغيرة ليكون المجلس الوطني الكردستاني، واتحدت الأحزاب لتعلن إقامة الحكومة الكردية الإقليمية عام 2014، وأكدوا على أنهم لا يسعون إلى الاستقلال، بل إلى "إدارة محلية ديمقراطية".



أكراد تركيا
يشكل كرد تركيا 56% من مجموع الكرد في العالم ويعيش معظمهم في الجنوب الشرقي لتركيا، والحكومة التركية تقاتل لإنهاء تمرد كردي في جنوبها الشرقي منذ عام 1984.

فبعد سقوط الدولة العثمانية تبنى مصطفى كمال أتاتورك نهجاً سياسياً يتمحور حول إلزام انتماء الأقليات العرقية المختلفة في تركيا باللغة والثقافة التركية، وقوبلت محاولات أتاتورك بمواجهة عنيفة من قبل أكراد تركيا وقرر الأكراد والأقليات الأخرى.

وشنت الحكومة التركية حملة اعتقالات وتصفيات واسعة في المناطق الكردية في تركيا، كما استمر صراع الدولة مع حزب العمال الكردستاني لعقود، وصنفت العديد من الدول بينها تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي التنظيم بالإرهابي.

واستؤنف النزاع المسلح بين القوات الحكومية وحزب العمال الكردستاني في صيف 2015، ما بدّد آمال حل هذه الأزمة التي أودت بحياة أكثر من 40 ألف شخص.



أكراد إيران
يعيش معظم أكراد إيران غرب وشمال غرب البلاد، وتدور بين الفينة والأخرى اشتباكات بين قوات الأمن ومتمردي حزب الحياة الحرة الكردستاني (بيجاك) الذي توجد قواعده الخلفية في العراق، وكانت إيران شهدت بعد الثورة الإسلامية في 1979 انتفاضة كردية قمعتها السلطات بشدة.

ففي عام 1979 بعد قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، سادت أجواء الغضب المناطق الكردية في إيران بسبب عدم إتاحة الفرصة لممثلين عن الأكراد للمشاركة في كتابة الدستور الإيراني الجديد.

كان عبد الرحمن قاسملو (1930-1989) من أبرز الشخصيات الكردية في ذلك الوقت إلا أن الخميني منع قاسملو من المشاركة في كتابة الدستور، ويعزو بعض المؤرخيين رفض الخميني مساهمة الأكراد في كتابة الدستور لأبعاد دينية وقومية لكون أغلبية أكراد إيران من السنة، وفي 1980 قام الجيش الإيراني بحملة تمشيط واسعة في المناطق الكردية في إيران وخاصة في مدن مهاباد وسنندج وباوه ومريوان.

وبين عامي 1979-1982 اندلعت اشتباكات مسلحة بين الحكومة الإيرانية والأكراد، وكان الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني بزعامة عبد الرحمن قاسملو والحزب اليساري الكردي "كومه له" طرفين رئيسيين في الصراع، وتمركزت عناصر الحزبين الكرديين الإيرانيين في العراق أثناء حرب الخليج الأولى (1980-1988) وكانوا مدعومين من العراق.

وعام 1983 تمكنت الحكومة الإيرانية من بسط سيطرتها على معاقل الحزبين، وقامت قوات الحرس الثوري الإيراني المعروفة بالباسدران باعتقال وإعدام الكثيرين من الأكراد في إيران من أعضاء الحزبين المذكورين أو المتعاطفين مع الحزبين.

وتم أثناء الصراع المسلح بين أكراد إيران والحكومة الإيرانية تدمير ما يقارب 271 قرية كردية.

1997 بعد وصول محمد خاتمي للحكم قام بتنصيب أول محافظ كردي لمحافظة كردستان وهو عبد الله رمضان ‌زاده، كما قام بتعيين بعض الأكراد في مناصب حكومية، وتم تشكيل حزب الإصلاح الكردي ومنظمة الدفاع عن حقوق الأكراد برئاسة محمد صادق كابودواند عام 2005.

2004 استقال 6 نواب أكراد من البرلمان الإيراني بدعوى عدم اهتمام حكومة الرئيس خاتمي بالمطالب القانونية والحقوق المتكافئة للأكراد، و2005 قتلت قوات الأمن الإيرانية الناشط الكردي شوان قدري في مدينة مهاباد، مما أثار موجة من أعمال العنف استمرت 6 أسابيع.

وأكراد إيران قريبون ثقافياً من أكراد العراق ويتحدثون اللغة الكردية ذاتها، كما أن طهران قريبة من الأحزاب السياسية الشيعية التي تحكم العراق أو تتولى مواقع أمنية أو حكومية مهمة منذ عام 2003.


انقسامات داخلية
ينقسم الأكراد الذين لم يسبق لهم أن عاشوا تحت سلطة مركزية إلى عدد لا يحصى من الأحزاب والفصائل والحركات، موزعة على الدول الأربع.

وهذه الحركات، التي تكون أحياناً عابرة للحدود، غالباً ما تناصب بعضها العداء اعتماداً بالخصوص على تحالفات كل منها مع الأنظمة المجاورة.

ففي العراق، خاض أبرز فصيلين كرديين "الاتحاد الوطني الكردستاني" و "الحزب الديمقراطي الكردستاني" حرباً أوقعت نحو 3 آلاف قتيل بين 1994 و 1998، ثم تصالحا عام 2003.

لماذا الاستفتاء؟
تقول حكومة إقليم كردستان شبه المستقل في شمال العراق إن الحكومة المركزية في بغداد والتي يهيمن عليها الشيعة لم تحترم الحكم الذاتي الذي حدث بعد الإطاحة بصدام حسين عام 2003 في غزو قادته الولايات المتحدة.

وتقول حكومة إقليم كردستان إن الاستفتاء يقر بالمساهمة الحاسمة التي قدمها الأكراد في مواجهة تنظيم داعش بعد انهيار الجيش العراقي أمامه عام 2014 وبعدما بسط سيطرته على ثلث العراق.

وستكون نتيجة الاستفتاء تصويت الأغلبية "بنعم" على الأرجح.

وتخطط حكومة إقليم كردستان التي يقودها مسعود البرزاني إلى استخدام هذا التصويت كتفويض شرعي للضغط من أجل إجراء مفاوضات مع بغداد ودول الجوار للوصول إلى الاستقلال.

وتعتقد بغداد أن التصويت قد يحدث انقساماً فوضويا بالعراق في الوقت الذي يكافح فيه من أجل إعادة الإعمار وعودة اللاجئين.

وهي تعرض إجراء محادثات لحل النزاعات على الأراضي وموارد الطاقة والمشاركة في السلطة، بما في ذلك وضع منطقة كركوك المتعددة الأعراق الغنية بالنفط.

كما يخشى جيران العراق من انتقال عدوى الانفصال إلى سكانهم الأكراد.

والاستفتاء يعارضه الجميع تقريباً بما في ذلك الولايات المتحدة والأمم المتحدة خشية زعزعة استقرار العراق في وقت لم تضع فيه الحرب على تنظيم داعش أوزارها.



بروز كركوك
كركوك مدينة متعددة الأعراق تقع خارج إقليم كردستان ويقطنها أكراد وتركمان وعرب ومسيحيون آشوريون.

ولدى كركوك احتياطيات نفطية كبيرة وهي تصدر النفط الخام من خلال خط أنابيب عبر البحر المتوسط يمر من إقليم كردستان العراق وتركيا.

وإذا قررت تركيا إغلاق خط الأنابيب فسيحرم ذلك حكومة كردستان في أربيل من معظم دخلها من العملة الصعبة.



أهمية الإقيم اقتصادياً
وينتج إقليم كردستان العراق نحو 650 ألف برميل نفط يومياً من حقوله بما في ذلك حوالي 150 ألف برميل من مناطق كركوك المتنازع عليها.

ويمثل إنتاج الإقليم 15% من إجمالي الإنتاج العراقي ونحو 0.7 في المئة من إنتاج النفط العالمي. وتطمح حكومة إقليم كردستان إلى إنتاج ما يربو على مليون برميل نفط يوميا بحلول عام 2020.

وتهيمن شركات نفط متوسطة الحجم مثل جينيل ودي.إن.أو وجلف كيستون ودانة غاز على إنتاج النفط في كردستان.

ولدى شركات النفط الكبرى مثل شيفرون وإكسون موبيل وروسنفت مشروعات أيضا في كردستان لكن أغلبها في المرحلة الاستكشافية.

غير أن شركة النفط الروسية العملاقة روسنفت أقرضت حكومة إقليم كردستان ما يزيد على مليار دولار بضمان مبيعات النفط، وتلتزم بأربعة مليارات دولار إجمالاً لمشاريع مختلفة في كردستان.

وأقرضت مؤسسات تجارية دولية، مثل فيتول وبيتراكو وترافيجورا وجلينكور، نحو ملياري دولار إجمالاً لكردستان بضمان مبيعات النفط.

وقدمت تركيا أيضاً 1.5 مليار دولار في المجمل دعما لأربيل في العامين الأخيرين.
T+ T T-