الأربعاء 21 فبراير 2018

اهزم السرطان وواصل الحياة



"ستموت بعد أسبوعين .. هكذا قال لي الطبيب البريطاني بلهجة محايدة في ذلك المساء البعيد من ديسمبر (كانون الأول) 2003، وكأنه يلقي إليَّ خبراً عن مباراة كرة قدم في دوري محلي بين ناديين مغمورين. وكنت أنظر إلى الطبيب بهدوء يصعب عليَّ حتى الآن أن أعلم مصدره، واستمعت بدوري إلى حديثه حول ما تبقى لي من أيام وساعات على قيد الحياة بالتركيز نفسه الذي أستمع به إلى محاضرة علمية، أو أتلقى به خلال عملي حدثاً سياسياً.. وبدأ عقلي يستدعي مشاهد متفرقة من حياتي تدور حول لحظات معينة من سنوات طفولتي ودراستي ومسيرتي المهنية".

بهذه العبارة الصادمة بدأ الدكتور جمال سند السويدي مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث والاستراتيجية وأستاذ العلوم السياسية بجامعة الإمارات والكاتب بجريدة الاتحاد سيرته الذاتية التي منحها عنوانا دالا هو "لا تستسلم .. خلاصة تجاربي"، وكأنه يريد أن يخبر قارئه منذ البداية أن تلك الخلاصة تتمثل في المقاومة المستميتة لكل ما يؤدي إلى التواري والغياب، والسعي الدائب لتحويل الانكسار إلى انتصار، والاستدعاء الدائم لما تختزنه الذاكرة من وقائع صغيرة، وتفاصيل دقيقة، لعل الفرد منا يجد من بينها حكاية أو حكمة أو أمثولة أو نصيحة تعينه على مواجهة المتاعب الجمة، والمصاعب المريرة، وتفتح طاقة نور في جدار الظلام، وتحافظ على الأمل حيا في النفس المهيضة.

إن كثيرين ممن يريدون كتابة سيرهم الذاتية ينشغلون بنقطة البداية، أو الفكرة المركزية التي يجب أن تدور حولها، أو اللحظة الأكثر أهمية وجاذبية التي ينطلقون منها، أو المعاني العميقة الكامنة فيها، ويراكمون فوقها محطات حياتهم كافة حتى يكتمل بنيانها على الورق كما سبق أن سارت نحو الاكتمال في دروب الحياة الوعرة.

وهنا يقول الكاتب: "كعادة من استغرقتهم دراسة العلوم الإنسانية حتى أصبحت عقولهم تتحرك عفويا تبعا لمناهجها، كان البحث عن الفكرة المحورية هو أول ما فكرت فيه. البحث عن مركز تفسر من خلاله الظواهر والقرارات والإنجازات وحتى التحولات التي ممرت بها، ولم يطل بي الأمر لأستقر على الرسالة التي اخترتها عنوانا لهذا الكتاب: لا تستسلم".

ومن يطالع السيرة التي نحن بصددها هنا يجد نفسه سريعا في قلب فكرتها المركزية في "التحدي" و"التصدي" أو "عدم الاستسلام" كما ذكر هو نصا، ولم يجد لحظة ينطلق منها أهم من تجربته المريرة في الصراع ضد مرض السرطان، الذي وضعه لحظة اكتشافه على حافة الموت، حسب تشخيص طبيب قال له دون مواربة قبل نحو عشر سنوات تلك العبارة المحايدة الحادة الباردة الصادمة، معتقدا، هذا الطبيب، أنه لم يبق لمريضه سوى معانقة الموت، بينما كانت حياة أخرى تولد لديه في هذه اللحظة الرهيبة العصيبة حافلة برغبة عارمة وجارفة في الصمود والمقاومة المستميتة أو العناد الإيجابي في وجه وحش كاسر يسكن جسده، وهو نوع خطير ومتقدم من السرطان.

يمضي الكتاب وفق خط درامي واحد، وتتمتع لغته بالسلاسة والجاذبية والوضوح والدقة، وتعطي مثلا ظاهرا في ضرورة أن يتحلى الشخص الراغب في تحقيق النجاح بالانضباط والجدية، والصرامة، والميل إلى التفكير العقلي والمنطقي والعملي، والميل إلى لعب بارز دور في الحياة، والاهتمام بقوة الإرادة ومضاء العزيمة، وحب المغامرة، والاستعداد الدائم لخوض المعارك في سبيل تحقيق الأهداف، وعدم الاستسلام للهزيمة، وضرورة أن يبذل كل إنسان جهدا في سبيل تعزيز دور التعليم في حياتنا، ومواجهة أخطار التطرف الديني.

وقد تطرق الكاتب إلى كل هذه المعاني وهو يسرد تجربته في الطفولة الغارقة في الكفاح ضد شظف العيش، والتي ينبئنا فيها أن أسرته قد أطلقت عليه اسمه تيمنا بالزعيم جمال عبد الناصر، ثم رهاناته وخيارته في الصبا والشباب، وما تركه الأب والأم والأخت في نفسه من بصمات لا تمحى، ثم تجربته في تكوين أسرة جديدة، زوجة وأبناء، ورحلته الدراسية في مختلف المراحل، لاسيما مرحلة الدرسات العليا في الولايات المتحدة الأمريكية، وصراعه ضد من كانوا يتحكمون في إرسال البعثات بدولة الإمارات وكانوا وقتها ممن ينتمون لتنظيم الإخوان، وقت تغلغله في مختلف مراحل التعليم الإماراتي، وكذلك ما استفاده المؤلف من أسفاره العديدة سواء للتنزه أو الصيد أو لحضور مؤتمرات علمية في الخارج، والجهد الذي بذله في سبيل إنشاء مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، الذي بدأ في شقة صغيرة بأبوظبي عام 1994 لينتهي إلى مبنى فخيم فسيح الأرجاء، تتوالى إصداراته العلمية المؤلفة مباشرة باللغة العربية أو المترجمة إليها من لغات عدة، لاسيما في مجالات العلوم السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماع والتاريخ والجغرافيا السياسية والتعليم والتنمية المستدامة، ثم انتقال صاحب السيرة إلى الاهتمام بتأليف الكتب، بعد أطروحتيه للماجستير والدكتوراه، لتظهر كتبه تباعا مثل: "مستقبل مجتمع دولة الإمارات العربية المتحدة" و"وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في التحولات المستقبلية: من القبيلة إلى الفيسبوك" و"آفاق العصر الأمريكي" و"السراب" و"بصمات خالدة" وصولا إلى سيرته الذاتية تلك، ثم التكريمات والجوائر العديدة التي حصل عليها في الإمارات والعالم العربي والخارج، وآخرها جائزة الشيخ زايد للكتاب في فرع التنمية وبناء الدولة، علاوة على تجربة اجتماعية خيرية متمثلة في جمعية "رحمة" المهتمة بالتخفيف عن مرضى السرطان.
  
وقد نجح الكتاب في توصيل فكرة أهمية الطموح في حياة أي إنسان، وضرورة أن يكون لكل شخص هدف يسعى إليه باستمرار، متخطيا كل العقبات التي تعترض طريقه. ويبقى الجانب المتعلق بمقاومة مرض السرطان تجربة مهمة من الناحية الإنسانية والأخلاقية وفيها نداء ليس للمرضى إنما للناس جميعا بألا ينهزموا، أو بتعبير الكاتب "ألا يستسلموا أبدا"، وهنا يقول لنا الكاتب:
"امتلاك القدرة على قهر مرض السرطان والانتصار عليه بمنزلة هبة إلهية، وتوثيق هذه التجربة الثرية يساعد على تقديم العون إلى المصابين بهذا المرض، وإعانتهم على الإيمان بأن الإصابة بالسرطان لا تعني النهاية، وأن هناك من عاش هذه التجربة مثلهم، واستطاع الصمود أمام هذا الاختبار الصعب عن طريق إحياء القدرات التي زودنا الله بها، وأن الموت ليس الخيار الوحيد أمامهم، بل إن فرص الشفاء قائمة إذا هم رفضوا الاستسلام، وقاوموا خصمهم الشرس، وأن هناك من سينجح اليوم، أو بعد عام، أو بعد مئة عام".

في طبعة لاحقة من هذه السيرة الضافية يمكن للكاتب أن يجد متسعا لإضافة أشياء أخرى في حياته لم يأت على ذكرها هنا، منها قضية انشغاله بالتعليم منذ ربع قرن تقريبا، وما علمته إياه دراسة العلوم السياسية وتدريسها في فهم الذات والحياة والعالم، وتناول أعمق لتجاربه في مراكز الدراسات والجامعت الأمريكية، والأفكار التي كانت تأتيه أثناء حضور مؤتمرات وندوات دولية، وكيف أثرت على رغبته في صناعة تجربتك الخاصة من خلال إنشاء مركز الإمارات، وتصوراته عن المستقبل خاصة في مجالات التعليم ، ومواجهة التطرف الديني، والتنمية الشاملة، والحلم أو الطموح الشخصي، إلى جانب حكايات قصيرة ومواقف إنسانية في بعض البلدان التي زارها، لاسيما أن الكتاب بدا في بعض مواضعه مهمتما بأدب الرحلات، لتبقى رحلة الكاتب نفسه التي شملها الكتاب من أوله إلى آخره هي ما تلفت الانتباه، وتمنح الكثير من العبر والعبرات في آن، لاسيما تجربته في مقاومة السرطان الذي تمكن من التغلب عليه بفضل الله تعالى وبفعل الإرادة الإنسانية القوية، التي يعبر عنها الكاتب قائلا: "لو أنني من النوع عالذي يلقي سلاحه قنوطا أو خوفا لما تقدمت خطوة واحدة".

ورغم أن الكاتب يدرك أن لكل تجربة إنسانية تفردها وتميزها وأخطاءها، وأن الظروف التي تحيط بكل شخص قد تجعل بعض النصائح مفيدة له، وبعضها غير مفيد، فإنه يوقن بأن هناك قواعد عامة للنجاح يمكن استخلاصها، مع التحلى بالمرونة والوعي اللازمين لاختيار البدائل الأنسب، وامتلاك التفكير الإبداعي في مواجهة المشكلات والمعضلات والأزمات، وهو ما يهديه هذا الكتاب لقارئه، إلى جانب الهدية الأكبر بالطبع وهي كيفية التغلب على السرطان، وتجاوز محنته، كي تستمر الحياة. 
T+ T T-