الإثنين 19 فبراير 2018

صناديق عم محفوظ

الكاتب الراحل محفوظ عبد الرحمن وزوجته سميرة عبد العزيز.(أرشيف)
الكاتب الراحل محفوظ عبد الرحمن وزوجته سميرة عبد العزيز.(أرشيف)


مصر لم تخسر هذا المبدع الكبير، لأن الخالدين خالدون، لا يبرحون أوطانهم، وإن رحلوا. ليس فقط لأنهم عائشون في أعمالهم التي لا تبلى، بل لأنهم يعيشون في ضمير أوطانهم
صناديقُ أربعةٌ متراصّةٌ فوق بعضها البعض. في الصندوق العلويّ يرقد النجارُ الذي صنع الصناديق الأربعة التي سوف يُحبس فيها حفنةٌ من الأوغاد الفاسدين الذين يستحقون السجن. في الصندوق الثاني من الأعلى يرقد الضابطُ مدير السجن الذي يظلم الناس ويسجن الأبرياء، وهو يعلم أنهم أبرياء. وفي الصندوق الذي يليه يرقد المُحتسِبُ، وهو رجل الدين الذي يُدين الناس وفق هواه الشخصي ويُدبّجُ الفتاوى ليغنم المصالح بعد تغليفها بثوب الدين الكذوب، وهو يزعم، ويوهم البسطاء، أنه ظلُّ الله على الأرض، فيُكِّفر هذا، ويهدِر دمَ ذاك، وكأن اَلله، حاشاه تعالى، قد منحه توكيلاً إلهياً يُخوِّل له أن يُدين الناسَ ويعذبهم نيابةً عن السماء. أما في الصندوق السفلي، فيرقد رئيس الوزراء. وهو المسؤول الأول عن تعيين كل الفاسدين في حكومة البلاد، وبالتالي هو رأس الفساد.

كيف ولماذا دخل أولئك الفاسدون تلك الصناديق التي تشبه التوابيت، بإرادتهم، ليموتوا فيها دون إنقاذ؟ لأن لعابهم سال على سيدة جميلة، هي شقيقة أحد المساجين الأبرياء، زُجّ به إلى السجن ظلماً بمعرفة أولئك الفاسدين، فقررت السيدةُ أن تعطيهم درساً صعباً، وتخلّص المجتمع من شرورهم. أعدّت لهم تلك المحابس الخشبية، ثم جعلتهم يختبئون واحداً إثر واحد، كلٌّ في صندوق، بعدما زاروها في بيتها لينالوها. وفي تلك الصناديق، يفتضح أمر كلّ منهم أمام أصحابه، وتنكشفُ سوأتهم أمام المجتمع والرأي العام.

تلك هي صناديق المبدع الكبير الراحل الباقي "محفوظ عبد الرحمن"، في أحد أشهر مشاهد المسرحيات في التاريخ، في مسرحيته الجميلة والعميقة: "حفلة على الخازوق" التي كتبها لتكون مرآة ميدوزا التي تعكس فساد الحكّام ورجال الدين، وقُدمت لأول مرة على أحد مسارح دولة الكويت في منتصف سبعينيات القرن الماضي، ثم قُدمت بعد ذلك كثيراً على خشبات مسارح عدة في مصر وخارجها، لتفضح فاشية صنّاع القرار في المجتمعات الشمولية الديكتاتورية.

ذاك هو المشهد الذي اختاره الفنان يوسف إسماعيل، ليعرضه في حفل التأبين الثريّ الذي أقيم الثلاثاء الماضي في المسرح القومي العريق بالقاهرة. والحقُّ أنه لم يكن حفل تأبين، بل كان حفل احتفاء وميلاد جديد للمبدع الخالد محفوظ عبد الرحمن.

كان حفلاً أسطوريًاً، بكل معاني الكلمة. أسطوريٌّ بالمكان الثريّ بالعراقة والسمو، المسرح القومي، أحد أهرامات مصر المجيدة، وأسطوريٌّ بشخص المُحتَفى به، ذلك الرجل الذي حصد قلوب الملايين من المثقفين والعامة في مصر والوطن العربي، وأسطوريٌّ بمئات من رموز مصر الفنية والسياسية والأدبية الشهيرة وجمهور الرجل ممن ضاقت بهم مقاعدُ قاعة المسرح والبنوارات واللوج، وكذلك الوقوف بالخارج في الحديقة ومداخل المسرح.

بدا الحفلُ حاشداً بالحضور، مُدثّراً بالحب والرقي والفن الرفيع. وبدت الجميلةُ سميرة عبد العزيز، رفيقة الدرب الطويل، عروساً مشرقة رغم ثوب الحداد يدثّر جسدها وروحها، ورغم الحزن الساطع في العينين. كانت بسمتُها الآسرةُ تُخفي ما تُخفي من مرارة الفقد، وهي تستقبلنا في ترحاب وودٍّ على بوابة قاعة المسرح، وتوزّع علينا كتاب "محفوظ في عيون هؤلاء". ذلك الكتاب المُثقَل بالحب والعرفان، حين جمعت فيه بعض ما كُتب من مقالات حول زوجها الخالد محفوظ عبد الرحمن. وشعرتُ بمسّ الفخر أن جاورت شهادتي عنه، مقالاتٍ وشهاداتٍ لعظماء وعمالقة في عالم المسرح والنقد والتأليف والصحافة، من كافة الدول العربية، ومن مصر الطيبة، التي لم تخسر هذا المبدع الكبير، لأن الخالدين خالدون، لا يبرحون أوطانهم، وإن رحلوا. ليس فقط لأنهم عائشون في أعمالهم التي لا تبلى، بل لأنهم يعيشون في ضمير أوطانهم. وحال الكلام عن محفوظ عبد الرحمن، فهو ليس فقط خالدًا في ضمير مصر، بل هو نفسه أحدُ صنّاع ضمير مصر.

ثم أشرق صوتُ علي الحجار، وما أدراك ما صوت الحجار حين يُشرق كشعاع ضوء حارقٍ مسروق من وهج الشمس في ضحى يوم بارد. كان صوتُه فوق خشبة المسرح صدحَ النغم وشقشقة العصافير ونوح الحمام الذي يُظلّل ويُكلّل هامات الحزانى على الراحل العظيم. وحينما شدا الحجار "اللي بنى مصر/ كان في الأصل حلواني/ وعشان كده يا ولاد/ مصر حلوة الحلوات"، ضجّ التصفيقُ من كل صوب، حين تجسّدت لنا مصرُ البهية التي تصنعُ الرجالَ، وتنجب الخالدين العصيين على الموات وعلى النسيان. كانت مصرُ حاضرةً بكامل حُسنِها وتمام بهائها في ذلك الحفل البهيّ الذي احتفى ولم يؤبّن. وكان الأستاذُ حاضراً. نكادُ نلمسه. نكاد نسمع صوتَه. يتجول بيننا ويمسح دموعنا التي تحجّرت في المآقي حين صعدت زوجته الفنانة الجميلة "سميرة عبد العزيز" على خشبة المسرح لتقول: "كنتَ دائماً تقول لي: أنا من غيرك كنت أعمل أيه يا حبيبتي؟ وأنا الآن أردُّ إليك السؤال يا محفوظ. فأخبرني: "من غيرك أنا هأعمل أيه؟". أشرق صوتُها بالدمع حين سألت سؤالها، وسقط قناع التماسك الهادئ الذي اعتمرته طوال الحفل لكي تخفف عنّا آلامنا وتواسينا. كان يهمس في آذاننا قائلاً: "إذا لم يقدم المؤلفُ للمتفرج حُلماً. فهو ليس بمؤلف". ولذلك جاء ليقدم لنا الحلم. نعم. كان موجوداً يربت على كتفي زوجته الجميلة ويهدئ من روعها ويواسيها، وعلى أكتافنا.

كان موجوداً، بكامل أناقته وحضوره وكاريزماه، أبي الروحي، محفوظ عبد الرحمن، رغم الغياب. بل كان الغياب. وكان القلبُ مجروحًا ينزفُ فقدَ أبٍ روحي لا شيء يعوضه إلا هو.

محفوظ عبد الرحمن، طوباكَ يا أبي وأنت لم تزل وستظل تقدم لنا الحلم، وطوبانا بك أيها الفارس الذي طالبنا أن نكون فرسانًا لا كتّابًا فحسب. واللي بنى مصر كان بالفعل حلواني، وعشان كده مصر هاتفضل حلوة الحلوات.
T+ T T-