الأربعاء 15 أغسطس 2018

"البيت الأزرق" .. مشاء أخرس يتفلسف فيلهب خيال كاتب متعثر



تُسهم رواية الشاعر والكاتب والمترجم عبده وازن الأخيرة "البيت الأزرق" في وضع حدود فاصلة بين الواقع والخيال، دون أن تهمل نقاط التماس بينهما، حين لا يخلو الواقع الفج مما يبعث على الدهشة والغرابة، وفي الوقت ذاته لا يستطيع الكاتب في أشد درجات التخييل أن يتجاوز الظل الثقيل للسياق الاجتماعي والأجواء النفسية التي يخط فيها سطور نصه، حتى لو تعمد الفرار منه، محاولا أن يصنع شخصيات من لحم ودم على الورق.

فالرواية التي تنساب في سلاسة، وبساطة آسرة أشبه بروايتين متداخلتين، واحدة للكاتب، وأخرى لبطله، الذي تركها على هيئة مخطوط أهدي إلى الأول، أو طُلب مه بأن يراجعه كي يصدر في كتاب مستقل، فوجدها فرصة، ليكتب رواية في لحظة كان يشعر فيها أن قلمه غير قادر على إهراق مداده كي يكمل ما بدأه، أو أن قريحته تكاد تفلس في إتمامه، أو أن عزيمة الكتابة لديه صارت واهنة إلى درجة يرثى لها، وقد ملك عليه هذا القنوط نفسه إلى درجة أن الرواية تبدأ قائلة على لسان بطلها: "كنت جالسا إلى طاولتي أدخن، وأفكر في النهاية التي عليَّ أن أختم بها روايتي الجديدة".

مع هذا، قد يكون ما فعله وازن ليس سوى خدعة، سبق أن مارسها بطريقة أخرى في عمله الرائع "غرفة أبي" الذي امتزجت فيه الرواية بالسيرة الذاتية، لكنها هذه المرة خدعة مختلفة، مارس فيها الكاتب القدرة على أن يبدع نصا واحدا بأسلوبين متفاوتين إلى حد ما، زاعما أن أحدهما لغيره، وممعنا في ممارسة هذه اللعبة مع القارئ إلى درجة أنه يجسد خدعته فيقول: "لم أكد أنهي لمساتي على المخطوطة التي أعدت كتابتها حتى أحسست أنني خارج من عالم غريب، وكلي شك في مدى حقيقته".

لكن وازن يجسر الفجوة بين ما هو خادع وما هو صادق حين يجعل مهمة بطله الأول، وهو الروائي الذي يبحث عن حكاية جديدة يكتبها، هي إعادة صياغة مخطوطة يقول عنها صاحبها "ليست سيرة كما يتبادر إليك أيها القارئ، ولا رواية ولا قصة، لا يخدعنك الأمر بتاتا، إنها مذكرات كتبتها كيفما كان لي أن أكتبها، واستغرقت كتابتها مني بضعة أشهر داخل السجن، وفي الباحة المتاخمة له". وقبل هذا ينبئا الروائي/ البطل بأن هناك من قصده، هو بالذات، كي يعيد كتابة ما تركه صاحب المخطوطة واسمه "بول"، لأن الأمر في حاجة إلى معالجة فارقة، تصنع من هذه السطور المكتوبة بخط ركيك شيئا قابلا للقراءة حقا.

و"بول" هذا شاب لبناني درس الفلسفة، وتعلق بها، وزُج به في السجن ظلما بعد جريمة قتل امرأة ألفاها ملقاة تنزف في مكان معزول إثر طعنات نجلاء بينما كان يمارس هو هوايته المعتادة في المشي الوئيد التائه المتأمل، والذي كان يساعده على الهروب من الناس، والتوحد مع ذاته، لاسيما بعد أن قرر أن يصمت تماما، مدعيا أنه قد أصيب بخرس، وهنا يقول: "لا أدري إن كان المشي صالحني مع ذاتي ومع العالم من حولي. هذا العالم الذي كنت دوما غريبا عنه، من غير أن أدرك سبب هذه الغربة التي تخاويني وكأنها من طبيعتي".

يطرح الكاتب هذا المخطوط تحت عنوان "أوراق بول"، لكنه، وبطريقة ناعمة، يلقيه في مجرى الحكاية، موظفا إياه في إتمام ما نقص فيها، وترميم ما انشرخ، والإجابة على الأسئلة المحيرة التي دارت في رأسه بعد أن قرر أن يعرف أكثر عن صاحب المخطوط، فراح يتعقب ما بقي من سيرته في ذاكرة الذين عرفوه عن كثب، قبل سجنه وإقدامه على الانتحار. وخلال هذه الرحلة التي تدور في أماكن عدة ببيروت، شوارع وبيوت ومقاهي ومطاعم وخمارات وملاهي ليلية ومصحات نفسية وسجون وأماكن حجز، يجد في طريقه أناسا لا يقلون غرابة عن بول نفسه، فيلتقطهم من زحام الحياة، مستعيرا حكاياتهم الموجعة كي يضفرها في حكايته الأم، ويخلطها بفكرته المركزية في هذا العمل السردي، فتتوالد الحكايات، وتتناسل الأفكار، لكنها تتكامل في خاتمة المطاف.

ومع تدفق كل هذا يسيطر شعوران متداخلان على الروائي/ البطل، وليس الكاتب، هما الفضول والتعاطف، فهو ما إن قرأ مقدمة "المخطوطة" حتى اجتاحته رغبة في معرفة كل شيء عن صاحبها، وإحساس دفين بأنه أمام إنسان يستحق الشفقة: "تركت المقدمة التي صححتها معيدا كتابتها، أثرا عميقا فيَّ. إنها تختصر ملامح عدة من حكاية بول أو مأساته، تعاطفت معه فورا، وتمنيت لو أنني أكتب رواية عه جاعلا منه شخصية فريدة، شخصية تراجيدية تواجه العالم بانسحابها منه، تتحدى جبروته بضعفها وصلفه ببراءتها".

وبالطبع لم يكن يدر صاحب المخطوط، ولا الروائي المكلف بإعادة صياغتها، أن هناك شخصا ثالثا يراقب ما يجري بينهما على الورق، كي يصطاده ويكتب منه رواية أخرى، لا هي ما تركه "بول" فحسب ، ولا ما رغب الروائي أن يكتبه، وأفرط في إظهار رغبته تلك، ثم راح يتحدث عن الطريقة التي اتبعها كي يحقق ما أراد. وهنا بدا الكاتب، عبده وازن" وكأنه شخصية ثالثة في الرواية، إذ لم يبق ناظرا إلى شخصياتها من بعيد، أو من الخارج، إنما ألقى بنفسه بينها راضيا مرضيا. ولا يعود هذا إلى أن أحد أبطال الرواية هو روائي فحسب، إنما لانتقال الفضول والتعاطف إلى وازن نفسه، الذي تعامل مع أبطاله برهافة شديدة، وحدب عليهم بلا انقطاع، وكلفه شغفه بهم ألا يترك التفاصيل التي تشغلهم هائمة دون رصد وتدقيق، وأن يتسامح مع أخطائهم حتى لو كانت جسيمة.

وفي هذا يمعن الروائي في الاندماج مع "بول" إلى درجة أنه يقع في غرام فتاته "غادة" التي تركها ورحل عن الدنيا. وانصرف جانب من هذا العشق إلى تجاذب أطراف الحديث عن الراحل الوديع، ليبدو هذا معبرا عن رغبة مزدوجة لدى المؤلف وبطله "الروائي" في آن، إذ إن كليهما يسعى إلى كشف المستور كي تكتمل الحكاية الغريبة، وهو ما نجحا فيه معا، وإن كانا قد تركا النهاية مفتوحة، ليكملها الطرف الثالث، وهو القارئ، كيفما شاء، وبذا يتعدد منتجو هذا النص على نحو لا يخلو من شكل مغاير للطريقة التقليدية في كتابة الرواية.

وتحفل الرواية بشخصيات متنوعة، منها نساء باحثات عن حب، ورجل دين مسيحي يهيم بعشق محرم، ومجرم قاتل يتمتع بهيبة يصنعها فجوره، وجار طيب وفيَّ، وخالة حنونة تروض المرض والعزلة، وسجناء تتنوع طبائعهم بين غاصب وشاذ ومظلوم، بينهم من ارتكب جريمة، ومنهم متطرفون دينيون وآخرون أودت بهم السياسة إلى غياهب السجون،، وهناك بالطبع سجانون يتوزعون بين غلظة ورقة، وبين انضباط وتفلت، وتوجد فتيات ليل يتلقطن النقود من جيوب المستعرين بالشهوة. وكل هؤلاء تهادوا أمام روائي متعثر ليجد مادة خصبة تلهب خياله.

ما يلفت الانتباه في هذه الرواية، شأنها شأن عملي وازن السرديين السابقين، "غرفة أبي" و"قلب مفتوح"، أن صاحبها، لديه قدرة على أن يتحرر مما يفرضه الشعر على صاحبه، من تكثيف واختزال وإمعان في البلاغة والمجاز والخيال والمفارقة، إلى براح السرد، عبر لغة تحتفظ بجمال داخلي، للمعنى والصورة، وتدفق عرم، يضفي على الرواية جاذبية لا تخطئها عين.

T+ T T-