الأربعاء 23 مايو 2018

وطننا يتطهر

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.(أرشيف)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.(أرشيف)


ولي العهد الشجاع لم يقد هذه المعركة الصعبة إلا لأنه يرى الخطر الذي يتهدد وجودنا إن بقينا على حالنا الأول، ولأنه أيضاً يرى طريقاً للخروج من المأزق إلى مستقبل مشرق وسعودية جديدة
هناك نوعية من البشر، نظراً لتكوين نفسي معقد، لا يُهمها إلا أن تُلقي باللوم على كل من يُريد أن يقوم بعمل وطني نافع. توجيه اللوم هو جزء رئيس من هذا التكوين النفسي المعقد. لذلك كنا نجده في العقود الماضية يلوم السعودية على الهدر المالي والفساد الاقتصادي، ويتساءل من على كل منبر: لماذا لا تقوم الحكومة السعودية بوضع حد لذلك الوضع الذي لا يُبشر بخير؟ ثم يجيب نفسه بسؤال آخر، كيف ستتصدى الحكومة السعودية للفساد وهناك أسماء كبيرة من أمراء ووزراء وكبار مسؤولي الدولة، غارقة حتى أذنيها في عمليات الفساد تلك؟ ثم يقرر المتسائل: إن السعودية في وضع لا يمكنها أن تخرج منه.

وعندما قرر ولي العهد السعودي الأمير الشجاع محمد بن سلمان وبتأييد من والده الملك سلمان بن عبد العزيز، التصدي لقضية الفساد، وبحيث كان هذا التصدي جوهرياً وجذرياً، وبحيث طال عدداً من الأمراء والوزراء، خرج علينا اللوّامون باعتراضات لا أول لها ولا آخر، وكأنهم لم يدعوا لمحاربة الفساد بالأمس، وإذا نظرت في تلك الاعتراضات لوجدت أنها تناقض بعضها بعضاً، ولا تتجه نحو جادّة يمكن السير باتجاهها. كلام متناقض كله، وأول من يشعر بتناقضه هو قائله. لكننا نحن العرب أمة تُحكّم العاطفة وتخضع لها، ولا علاقة لنا بمنطق ولا عقل. هل يريدون أن يبقى ذلك الوزير المرتشي الذي دمر كل وزارة دخلها حتى يهرب بثروته المليارية إلى خارج البلاد؟ أم يريدون أن يبقى نظام سمسرة الصفقات ذات الأرقام الفلكية لمجرد أن القضية لها علاقة بأمير؟

هذه النوعية من البشر، لا ينبغي أن ننشغل بها البتة. وطننا يتطهر من الفساد، وسيتم فتح ملفات كل قضايا الفساد، ومطاردة الفاسدين لن تسقط بالتقادم. هذا معناه أن كل قضية فساد كبيرة حدثت مثلما حدث في سوق الأسهم 2006 وامتصاص السيولة منه وانهياره الكامل ومعه اختفى كل ريال جمعه المواطن في كل عمره ووضعه في ذلك السوق، بحيث خرج الناس بعد تلك السنة الرهيبة، وقد أصبحوا "أبرياء تماماً من حظوظ الدنيا". هذه القضية وغيرها كثير سيأتي عليها الدور، لأن حرب الأمير الشجاع محمد بن سلمان على الفساد تشبه كرة الثلج التي انحدرت من رأس جبل نحو الوادي وستمر بتشبيك الأراضي التابعة للدولة وبالمشاريع المتعثرة والرشاى والمحسوبيات وإعطاء المسؤول لأهل إقليمه أو قبيلته فرص وظيفية أفضل، وستمر بكل جريمة تتعارض مع قيم العدل والمساواة وحق المواطنة. الذي يحدث في السعودية هو عملية تطهير بدأت ولن تتوقف، مهما كان الإرجاف كبيراً ومهما جعجع المتضررون من الفاسدين وأتباعهم.

ينبغي أن نتذكر قضية مهمة، إلا وهي أن الذي لا يخطئ هو الذي لا يعمل أبداً. إذا أردت ألا تخطئ فلا تُحرك إصبعاً. أما إذا تحرك الوطن بأكمله لإصلاح أوضاع خاطئة بقيت قائمة لعقود طويلة، فقد تحدث بعض الأخطاء، ولا عيب أبداً في أن تحدث تلك الأخطاء. لا بد أن نؤمن بنظرية التطور في هذا المجال. لا بد لكل عملية إصلاحية أن تكون قابلة للتطوير وألا تكون قوالب جاهزة للتركيب. ما يحدث على الأرض بلا شك سيكون له دور في رسم مسار هذا التطور، بشرط عدم غياب الفكرة الأساسية. التطور يحكم الفكر كله اليوم، فكل واحد منا لن يكون هو نفسه بعد خمس سنين، وكذلك أفكارنا ومشاريعنا الإصلاحية، كل هذا سيكون شيئاً أفضل بعد خمس سنين.

ما أود أن أختم به هذه المقالة هي أن الأغلبية الساحقة من الشعب السعودي مع الأمير محمد بن سلمان في حملة التطهر هذه، وهم يؤيدونه ويباركون خطواته، لمعرفتهم بأن كل ما يحدث يصب في صالح هذا الوطن، ولمعرفتهم أن ولي العهد الشجاع لم يقد هذه المعركة الصعبة إلا لأنه يرى الخطر الذي يتهدد وجودنا إن بقينا على حالنا الأول، ولأنه أيضاً يرى طريقاً للخروج من المأزق إلى مستقبل مشرق وسعودية جديدة.
T+ T T-