الأربعاء 22 أغسطس 2018

خذوا عيني شوفوا بيها!

صورة تعبيرية.(أرشيف)
صورة تعبيرية.(أرشيف)


لكلِّ شخص ذائقتَه الخاصةَ وأسلوبَ استقباله للجمال وحتى للألوان. فقضيةُ "الجمال" تختلفُ عن مجرد "المقبولية"
في فقرة ببرنامجه الشهير الأسبوع الماضي، سأل الإعلاميُّ عمرو أديب مشاهديه الرجال سؤالا إشكاليًّا: “هل تتزوجُ من امرأة جميلة أم منخفضة الجمال؟" وفي مداخلة لي أجبتُه: “ليس هناك امرأةٌ دميمة، ولا شيء دميمٌ فوق الأرض.” ولأشرح وجهة نظري، علينا أولا الوقوف على تعريف حاسم للجمال. ما هو الجمال؟

بعد الحرب العالمية الأولى، التي تجاوز عدد ضحاياها ٣٦ مليون إنسان، ما بين قتيل ومصاب من العسكريين والمدنيين، كفرَ الفنانون والمثقفون بكلِّ الأعراف البرجوازية التي أدّت إلى كلِّ ذلك الدمار الذي اجتاحَ العالم. وأدّى ذلك إلى ظهور حركاتٍ عدمية ثائرة على فكرة "الجمال" السائدة المستقرة في الذهن الجَمعيّ للبشرية آنذاك. نشأت حركاتٌ فنية ومدارسُ مثل: الوحشية والدادئية والسريالية، حطّمت جميع التقاليد الجمالية والفنية السابقة. عام 1917، أحضر الفنانُ الفرنسيّ مارسيل دوشامب "مَبوَلة" ومنحها اسم: "النافورة"، ثم عرضها في معرض فنيّ بوصفها قطعةً فنية! وقال في ذلك: "أودُّ زحزحةَ بؤرة الفنِّ عن كونه عملاً جماليًّا بصريًّا، إلى أن يغدو تأويلاً عقليًّا." صحيحٌ أن أحدًا من رواد المعرض لم يرها قطعةً فنيّةً، وصحيحٌ الناس اعتبروها دعابةً فجّةً أو ما يمكن أن نطلق عليه أمرًا معاديًّا للفن: ضدّ-فنيّ anti-art، وصحيحٌ أن تلك النافورة قد أُلقيت مع القمامة بعد انتهاء المعرض وفُقدَت إلى الأبد، لكن دوشامب نجح، مع مَن سبقه من أبناء المدرسة الوحشية والتكعيبية، في خلخلة المفهوم القديم السائد لفكرة الجمال لدى الناس. وهو ما مهّد الطريقَ لفناني ما-بعد-الحداثة في الستينيات من القرن الماضي الذين احتفوا بإستاطيقا القبح، أو "جماليات القبح"، وهو المبدأ الذي كسّر مفهوم الجمال التقليدي آنذاك. ذلك النهج هو الذي جعل الملابس "المكرمشة" تحل محلَّ الملابس "المكوية"، والشَّعرَ الأجعدَ المتموّج الغجريَّ "المنكوش"، يحلُّ محلَّ الشعر الحريريّ الناعم المنسدل.

قبل سنوات بعيدة، استضافني الإعلامي حمدي رزق في برنامج "القاهرة اليوم"، وأعلنتُ أنني أحبُّ الغُرابَ وصوتَه. أراه في ريشه الرمادي والأبيض كأنه "جنتلمان" أنيق يرتدي بدلة مايسترو أنيقة وقميص أبيض، يقف ممشوقًا في كبرياء. ولما استنكر صديقي الإعلامي وأعلن أنه يكرهه، مثل سائر البشر؛ أخبرته بأنه لا يكره الغراب، إنما يكره "صورة" الغراب في العقل الجمعي البشري. البشرُ يكرهون الغرابَ لأنهم مُحَمَّلون بمخزون إرثيّ ودينيّ سلبيًّ عنه. فهو الذي علّم أوَّلَ قاتلٍ في التاريخ طريقة دفن أول قتيل في التاريخ: “قابيل وهابيل". وبالتالي أصبح الغرابُ رمزًا للموت والشؤم والقبور. كذلك حين أرسله "نوح"، عليه السلام، من السفينة ليختبر وجودَ أرض يابسة، ذهب ولم يعد، فدعا عليه النبيُّ بألا يألفه الناس. كلُّ ما سبق موروثٌ ديني، لا يخصُّ الغرابَ كطائر. ولكن، ماذا لو حرَّرنا "عيوننا" من تلك المُحمّلات الفكرية الإرثية، ونظرنا إليه كطائر من بين طيور الله؟ وقتها سيكون بوسعنا أن نراه على الصورة التي خلقه اللهُ عليها: طائر جميل لا يختلفُ عن الحمامة واليمامة، إن لم يكن أجمل. على نفس النحو بوسعنا أن نتأمل جمال كافة مخلوقات الله التي ظلمَها تراكمُنا المعرفيّ عنها: البومة، الحداءة، الخفّاش، الضفدع، الصرصور، الثعبان، وهلمّ جرّا.

يقول الألمانيّ "إمانوءيل كانت"، أحدُ أهم الفلاسفة الذين كتبوا في نظرية المعرفة الكلاسيكية، في معرض كلامه عن علم الجمال، أو الإستاطيقا Aesthetics: "إن الشخصَ الذي يقول إن لونَ عصفور الكناريا مقبولٌ، يجب ألا يمانع إذا صحّحَ له شخصٌ ما بأن الأصحَّ أن يقول: "مقبولٌ بالنسبةِ لي." لأن لكلِّ شخص ذائقتَه الخاصةَ وأسلوبَ استقباله للجمال وحتى للألوان. فقضيةُ "الجمال" تختلفُ عن مجرد "المقبولية". لأن الشخصَ الذي يُقرُّ بأن شيئًا ما جميلٌ، فكأنما يطالبُ الآخرين بأن يروا "بعيونهم" ما يرى هو "بعينيه"، ثم يقرّوا بما أقرَّ هو! وهو هنا يفرض ذائقتَه على ذائقات الجميع! والخطأ الحادثُ وقتذاك، هو أنه يتكلمُ عن الجمال كأنه "خصيصة" من خصائص الأشياء. وهذا ليس صحيحًا.

فالجمال ليس "صفةً" تخصُّ شيئاً ما. فالصفةُ تعريفُ الشيء، مثل: الشكل، اللون، الحجم، الملمس، إلخ. لكن "الجمالَ" حُكْمٌ قيْميّ يختلفُ باختلاف الشخص "المُقيِّم" لهذا الشيء. ثم يميز "كانت" بين مفهومين مخلوطين لدينا. يقول: "المتعةُ" تنتج حين تطفرُ البهجةُ من حواسنا، في حين أن الحكمَ على شيء بأنه "جميل" تتحكم فيه عواملُ ثلاثة، هي: الحواسُّ، العاطفةُ، والمستوى الفكريّ أو العقليّ للإنسان. ثمة قيمتان تتحكمان في الإحساس بالجمال لدى الشخص الذي ينظر إلى شيء ما، هما: إستاطيقا الشيء، أي القيمة الجمالية للشيء، ثم الذائقة. والإستاطيقا هي الفكرةُ الفلسفية عن الجمال، في حين أن الذائقةَ هي نتاجُ البيئة المحيطة والطبقة والتعليم والوعي الثقافيّ والخبرات؛ ومن ثَم، فالذائقةُ يمكن تطويرُها وتغييرُها وتهذيبُها.
لكل ما سبق فإن كلَّ امرأة جميلة، في عين شخص ما. هنا بوسعنا أن نتأمل عبقرية البيت الشعري: “خذوا عيني شوفوا بيها".
T+ T T-