الأربعاء 15 أغسطس 2018

هلع ما بعد أمريكا

المفكر الأمريكي الراحل زبيغنيو بريجينسكي.(أرشيف)
المفكر الأمريكي الراحل زبيغنيو بريجينسكي.(أرشيف)


أكثر المواقف حكمة في القتال، هو موقف الانتظار، ودفع الخصم إلى اقتراف أخطاء قاتلة، ثم الإجهاز عليه
نقرأ عنواناً جانبياً في كتاب "رقعة الشطرنج الكبرى"، 1997، للمفكر، والخبير الجيو سياسي، والاستراتيجي الراحل، الذي عمل مستشاراً للأمن القومي في عهد الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، من 1977 إلى 1981، زبيغنيو بريجينسكي (2017- 1928)، "هلع ما بعد أمريكا". العنوان الجانبي يستدعي على الفور مُفَارَقَة سوداء كوميدية، وهي أن العالَم الغربي، والأمريكي، أطلقا في العقود الثلاثة الفائتة، بكثافة عُصابية، مفاهيم "الما بعد"، ما بعد الحداثة، ما بعد الحروب التقليدية، ما بعد الاستعمار التقليدي الكولونيالي، ما بعد الدولة القومية، ما بعد الأيديولوجيا، ما بعد صراع الحضارات، ما بعد داعش أخيراً، لكن لم يتصوَّر أحد أن مفرمة "الما بعد"، قد تطال أمريكا نفسها، وعلى لسان أحد أعمدتها الاستراتيجية. وبما أن مفاهيم "الما بعد"، كلها، خرائبية، سرطانية، وهذا ما أثبته الواقع، فإن افتراض نقطة ثابتة، مُحَصَّنَة ضد "الما بعد"، كان يقيناً لا يقبل الشك. نقطة تُحرِّك مفاهيم "الما بعد"، ولا تتحرك هي. كان عنوان زبيغنيو بريجينسكي، "هلع ما بعد أمريكا"، إعلاناً، وتوجساً كئيباً من الفوضى القادمة.

يحدث لمبادئ الديموقراطية، وهي منخرطة بحماس، في تحقيق أهدافها الكونية الشمولية، أن تختل وتتناقض، ولمّا كانت تلك مبادئ الديموقراطية، شبه معدودة على أصابع اليد، وشبه أخلاقية، وحمَّالة أوجه في التفسير، والتأويل، فإنها تصطدم ب "الما قبل"، وهو"الما قبل"، الذي تم تقويضه من قِبَل الديمقراطية، بعنف هستيري، هو الوطني أو القومي. بالطبع وجهة نظر زبيغنيو بريجينسكي، أن مصلحة الوطني أو القومي، هي مصلحة ضيقة، أنانية، قياساً بفردوس الشمول الديمقراطي، مع أنه يُحذِّر بخوف، من ضياع الدولة القومية الأمريكية، بسبب قرب اجتياح الشمولية الديموقراطية الفوضوية، لمركز إشعاعها، اجتياح نقطة التَحَكُّم ذاتها. هناك مؤسسات دولية، مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، أصبحتْ خاضعة لضغوطٍ، من قِبَل دول صاعدة أفقر، لكنها كثيفة السكان، مثل الهند، والصين، وهذه الدول تُطالب بإعادة توزيع حقوق التصويت المُعْتَمَدَة، المُرجَّحَة دائماً لكفة الغرب. وقد سبق أن تعرَّضتْ حصة التوزيع، لتحدٍ من دول في مجموعة ال 20، بوصفها حصة توزيع غير عادلة. كيف يستطيع العبد أن يفتح عينيه في وجه سيده؟ جدل السيد والعبد الهيجلي. السيد مارس انتصاره على العبد منذ الحرب العالمية الثانية، وثيقة انتصار السيد، أخذتْ أكثر من وقتها. العبد أتقن المهام المُكَلَّف بها أكثر من اللازم، لدرجة أن العبد لم يعد في حاجة إلى سيده الذي لا يُتقن هذه المهام، فيصبح السيد في حاجة لعبده، أي يتحوَّل السيد إلى عبد.
  
ربما يُصبح مجلس الأمن الدولي الذي تجاوز السبعين عاماً، شبه المقدس، غير فعَّالٍ في المستقبل القريب. تحققتْ نبوءة زبيغنيو بريجينسكي في تلك الكلمات، التي يفصلنا عنها عقدان من الزمن، بشكل لافت. ففي 2017، نحن أمام فوضى دولية لا يحل فيها، ولا يربط، مجلس الأمن الدولي. حُجَّة أمريكا، أن هناك عبداً دائماً في مجلس الأمن الدولي، وهو الصين، تحوَّل إلى سيد، وهو يُناهض نواة المجلس من الداخل، وهو أيضاً المسؤول عن انعدام الأمن، وانعدام السلام، ونحن لا نستطيع طرده، وإلا انفرط عقد المجلس الدولي من أساسه. يُسكِّن زبيغنيو بريجينسكي من هلع ما بعد أمريكا، بقوله: إن الصين رغم إنجازاتها الداخلية الفريدة، ما زالتْ تنأى بنفسها عن السعي لإضفاء الصفة الكونية الشاملة على تجربتها. إن قادة الصين ما زالوا متحلين بحكمة التحفظ، والامتناع عن إطلاق إعلان مكشوف، لقيادة الكوكب. الصين تراقب بهدوء. أدمنتْ التواضع. تنتظر الفرصة المناسبة. المزاج الحذر للصين يدل أيضاً على مكامن الخداع. حكمة تقول: إن أكثر المواقف حكمة في القتال، هو موقف الانتظار، ودفع الخصم إلى اقتراف أخطاء قاتلة، ثم الإجهاز عليه. راعي البقر الأمريكي، تعددتْ مغامراته خارج حدوده، لكنه معذور، فهو ليس براع للبقر فقط، بل هو راع أيضاً لما بعد الديمقراطية.

قبل موت زبيغنيو بريجينسكي بأربع سنوات فقط، وفي حوار مع محطة يورونيوز 2013، نصح العجوز المخضرم، أوروبا العجوز أيضاً، بأن العودة أو التفكير في العودة إلى "الما قبل"، القومي أو الوطني، بشكل ما، ليس هو الحل. نلاحظ أن مرور 16 سنة، من زمن كتابة "رقعة الشطرنج الكبرى"، لم تُغيِّر شيئاً في آراء زبيغنيو بريجينسكي، وهذا يعني تصلب شرايين النصيحة أو النصائح التي من الحكمة أن تستجيب للواقع، ويعني أيضاً أن الأمل في استرداد أو استعادة القوة الأمريكية، ما زالتْ مُحْتمَلَة، ببقاء أوروبا العجوز المنهكة في الحلف الأمريكي. أربع سنوات أخرى، مرَّتْ على نصيحة زبيغنيو بريجينسكي لأوروبا، والنتائج، هي خروج بريطانيا الفاشل من الاتحاد الأوروبي، انفصال كاتالونيا الفاشل عن إسبانيا، وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، عجز ألمانيا عن قبض فاتورة الخروج من بريطانيا، وهو يساوي ضعف ألمانيا، الكفيلة بنفقات الاتحاد الأوروبي، وعجز المستشارة أنغيلا ميركل في ولايتها الرابعة، عن تشكيل حكومة أغلبية قوية.

T+ T T-