الخميس 24 مايو 2018

تداعيات كائن ستيني

صورة تعبيرية.(أرشيف)
صورة تعبيرية.(أرشيف)


أجدني عاجزاً عن فهم ما يجري حولي، ربما بسبب شيخوخة الدماغ والانهماك في محاولة البقاء على قيد الحياة ولو بالدواء المر. لكن أصدقاء في ريعان شبابهم يعترفون لي بعجزهم أيضاً عن فهم المشهد العربي في زمن العودة إلى الوراء، والسعي لإحياء حضارات سادت ثم بادت
كان الشاعر الكبير محمود درويش لا يحب الستين، وقد عبر عن رغبته في بلوغ السبعين ليس من قبيل الإعجاب بالكهولة، ولكن بدافع الخلاص من الستينات وما تثيره في نفسه من كراهية لما يقترن بالستين من أوصاف، لكن الموت لم يمهله، ورحل عن دنيانا وهو في السابعة والستين.

في ذهن درويش كانت الستين مقترنة بالتصغير والتحقير، وكان يتساءل دائماً عن السر في وصف الانسان السيئ بأنه ابن ستين....

بالطبع لا يوجد ما يبرر اختيار الستين كدلالة تحقير، لكن الناس درجوا على هذا التوظيف للرقم الذي لم أره مرة واحدة مقترناً بما هو إيجابي. وعندما دخلت عامي الستين أذكر أنني لم أكتف بالاكتئاب بل صرت أشعر بالوهن وتراجع القدرة البدنية والذهنية، ما جعلني أنخرط أيضاً في حملة لعن الستين.
لماذا نكره الستين تحديداً، ولماذا لا نأخذ موقفا واضحاً من السبعين مثلاً؟

في الستين ندرك فجأة أن حياتنا تغيرت، وأن خطاب اليسار الثوري لا يليق بوقار الشيخوخة، فنجنح إلى اليمين. وفي الستين نفقد القدرة على الرفض والتحدي، وتصير حياتنا قبولاً تلقائياً لكل شيء، ونتعايش مع هذا القبول وكأننا نهيئ أنفسنا لقبول ما لا نستطيع رفضه، وهو الموت الذي يحث خطاه إلينا بعد الستين، ويضع للحياة نهاية خالية من الدهشة.

وفي الستين، يتغير كل شيء، ونتغير، ويصير المشي في الجنازات بديلاً للمشي في المظاهرات. كما تصير لعبة النرد بديلاً لمباراة كرة القدم، والموعد مع طبيب القلب بديلاً لموعد مع امرأة خارقة يشيع بهاؤها في المكان، ويورث غيابها لهفة في القلب.

لا أحب الستين، ويزعجني تعريفي بأنني كاتب ستيني، وأجهد في العثور على صورة شخصية لا تشي بدخولي بدايات الكهولة، لكنني، وقد أصبحت جداً للمرة الثالثة، أعرف أن لا شيء يستحي من أوانه وأن العنب لا يقطف في الشتاء، وأن للزمن عبقرية خاصة تتجلى في تغيير الذائقة وتهذيب النفس.. وقتل التمرد.
أعترف بأنني تغيرت كثيراً، وأدرك أن قبعة الصوف أهم كثيراً من قبعة جيفارا لرجل يدخل الستين بلا حلم ثوري، ويبحث عن لحظة هدوء ودفء في زمن العواصف الصاخبة التي تهب علينا من كل الجهات المعتمة.

أعترف أيضاً بأنني، كستيني مستجد، أتحول مجبراً إلى بطيخة قلبها أحمر لكن جلدها لا بد أن يكون أخضر حتى يكون مستساغاً ومقبولاً.
يتعبني التحول الجبري، مثل أي طريق وعرة ترصفها الحكومات على عجل، لتغيير مسار السير، لكنني لا أعرف طريقاً بديلاً، لذا أمشي وراء القطيع التائه الذي يحمل صورة القدس ويسارع الخطو في طريق واشنطن.

وأجدني عاجزاً عن فهم ما يجري حولي، ربما بسبب شيخوخة الدماغ والانهماك في محاولة البقاء على قيد الحياة ولو بالدواء المر. لكن أصدقاء في ريعان شبابهم يعترفون لي بعجزهم أيضاً عن فهم المشهد العربي في زمن العودة إلى الوراء، والسعي لإحياء حضارات سادت ثم بادت.

أظن صديقي المسرحي نادر عمران الذي مات قبل أسبوعين، فضل الرحيل عن مشهد لم يعد قادراً على فهمه، وكذلك فعل صديقي الكاتب محمد طملية الذي مات قبل تسعة سنين وقضى مقتولاً بالدهشة.

كان نادر في ستيناته وكان محمد يقترب منها، وها أنا أمضي فيها محاصراً بالدهشة السوداء، وبالخوف من لحظة أراني فيها محايداً إزاء صفقة "القرن".

T+ T T-