السبت 24 فبراير 2018

اللبس الفلسطيني

من مؤتمر مدريد للسلام (أرشيف)
من مؤتمر مدريد للسلام (أرشيف)


تراكمات الوهم الرسمي الفلسطيني التقت مؤخراً مع قلة الخيارات وضيق هامش المناورة والخشية من مواجهة ردود فعل خصوم داخليين استطاعوا جمع العديد من النقاط بانتقادهم لأداء السلطة والمنظمة
تترك انتقادات القيادة الفلسطينية للسياستين الأمريكية والإسرائيلية قدراً لا بأس به من اللبس لدى رفعها وتيرة الاستغراب والدهشة من غموض إدارة الرئيس دونالد ترامب أو توسع حكومة اليمين الإسرائيلي في الاستيطان ومصادرة الأراضي وغيرهما من الإجراءات أحادية الجانب.

اللبس وربما الإثارة يكمنان في غياب السياق العقلاني للدهشة حين نضع في عين الاعتبار عدداً من المعطيات بينها مقدار الوضوح المبنية عليه مواقف الطرفين الأمريكي والإسرائيلي منذ إطلاق عملية السلام ـ التي انخرط فيها الجانب الفلسطيني في بدايات تسعينيات القرن الماضي ـ حتى الدخول في متاهة انتظار الصفقة التي وعد بها الرئيس ترامب.

هناك دلالات وشواهد عدة على الوضوح يمكن الوقوف عندها في حال العودة الى سنوات التمهيد للدخول في عملية السلام حيث رفض الجانب الأمريكي في نهاية ثمانينيات القرن الماضي قيام الدولة الفلسطينية، وأصر على أن تكون مشاركة الفلسطينيين في مؤتمر مدريد ضمن الوفد الأردني، وأكد على أن القدس "موحدة" يتم تحديد مستقبلها في المفاوضات النهائية، وتجاهل بحث قضية اللاجئين.

تركز وضوح الموقف الإسرائيلي حينها في عدم التسليم بالفهم الفلسطيني للدولة المستقلة، والتأكيد على رفض التخلي عن القدس الموحدة، التمسك بالموقف الرافض لعودة اللاجئين، واستبعاد امكانية التوقف عن الاستيطان في الأراضي المحتلة.

إغفال القيادة الفلسطينية لذلك الوضوح ومعطياته وتبعاته يكشف عن حلقة مفقودة في فهمها للمعادلة التي أشبعت جدلاً في مشهد سياسي تعددت درجات تأييد ومعارضة أطرافه للمشاركة في عملية سلام تنطلق من أرضية ما قبل مؤتمر مدريد والتقى معظم أقطابه لاحقاً عند رفض اتفاق أوسلو الذي جاء نتاج محاولة التفاف فلسطينية على المواقف العربية بفعل مخاوف فقدان وحدانية تمثيل الشعب الفلسطيني ورغبة القفز عن سقوف الحل التي حددتها الولايات المتحدة .

تقود ثنائية الدهشة والإغفال الفلسطينية للبحث عن جذور التجاهل المزمن لوضوح الموقفين الأمريكي والإسرائيلي وبذل جهد أكبر في استكشاف جوانب الصواب والخطأ في التفكير والتعبئة الفلسطينيين خلال مرحلة حساسة تمخضت عنها مراحل أكثر حساسية.

لا بد من التوقف ـ خلال عملية البحث والاستكشاف ـ عند مراهنة القيادة الفلسطينية على تغيير الموقف الأمريكي بناء على فهم كرسته حرب 1973 مفاده أن النفط أولوية أمريكية علاوة على الاعتقاد الرسمي الفلسطيني بمصلحة الإدارة الأمريكية في تعزيز مواقع الأنظمة الحليفة والصديقة، الأمر الذي يتطلب التوصل إلى حل سياسي للقضية يسهّل سيطرة القطب الكوني الوحيد بعد الحرب الباردة وساهم في تعزيز هذه القناعة الخروج من بيروت واندلاع حرب الخليج الثانية واستناداً لهذه القراءة وفي محاولاتها سحب البساط من تحت أقدام القوى السياسية بنت قيادة منظمة التحرير لشعبها قصوراً في الهواء.

تراكمات الوهم الرسمي الفلسطيني التقت مؤخراً مع قلة الخيارات وضيق هامش المناورة والخشية من مواجهة ردود فعل خصوم داخليين استطاعوا جمع العديد من النقاط بانتقادهم لأداء السلطة والمنظمة ومحاولتهم تثبيت تصورات ورؤى مختلفة.

مع تآكل مبررات الدهشة المبنية على الإيغال في تجاهل الوضوح، وانحسار اللبس الذي ألقى ظلاله على المشهد السياسي خلال العقدين الماضيين تواجه القيادة الفلسطينية شكوكاً متزايدة في صواب أدائها، تملي ضرورات ملحة للقيام بمراجعات "متأخرة" لاستيعاب المتغيرات الدولية والإقليمية والتعاطي مع السياستين الأمريكية والإسرائيلية بما يتناسب مع وضوحهما وإعادة تقليب الخيارات، بما في ذلك التراجع عن حل الدولتين غير القابل للتنفيذ ووضع حد للتعامل مع القراءات القابلة للخطأ والصواب باعتبارها الواقع الذي يمكن البناء عليه.

T+ T T-