الإثنين 20 أغسطس 2018

الشبه الواضح بين رباعي القتل الصامت و"داعش"

مسلح بين أنقاض أحد أحيار الرقة (أرشيف)
مسلح بين أنقاض أحد أحيار الرقة (أرشيف)


أمريكا لم تقل شيئاً عن تنظيف المدينة من ألغام داعش، بينما لم تصل أموال الاتحاد الأوروبي بعد، ولا الأموال الفرنسية، وهي لا تتجاوز 30 مليون يورو
لا جديد تضيفه أمريكا على سقف مسؤوليتها بعد تدميرها الجزء الأعظم من مدينة الرقة، بالتعاون مع "قوات سوريا الديمقراطية". فمنذ 20 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، توالت التصريحات الأمريكية عن تعهدات بـ"إعادة الاستقرار إلى الرقة"، وهذا يعني فقط رفع الأنقاض، وإعادة وصل خطوط المياه والكهرباء. ولحسن الحظ أن الفرات لا يزال يجري، لكن إعادة الكهرباء إلى الشبكة بعد إصلاحها مشكوك فيها، ليعود من سيعود إلى الرقة إلى استجرار نظام الأمبيرات من تجار الكهرباء، كأحد الأنشطة الاقتصادية الناشئة في سنوات الحرب.

أمريكا لم تقل شيئاً عن تنظيف المدينة من ألغام داعش، بينما لم تصل أموال الاتحاد الأوروبي بعد، ولا الأموال الفرنسية، وهي لا تتجاوز 30 مليون يورو، بعد أن تحدثوا أنها ستتوافر قبل نهاية العام الجاري.

بكل هذا الوضوح الأمريكي المناسب لتجار الأزمة، ومن بينهم منتسبو قسد، من كرد ومن عرب، لم تتورط واشنطن في وعد بدعم إعادة الإعمار، كنتيجة طبيعية تترتب على تدمير المدينة، قبل "تحريرها" من داعش.

وفي هذا الوقت، نشط لصوص متحالفون مع قسد في استغلال إحجام النازحين عن العودة إلى الرقة، بالتوازي مع ارتفاع نشاط كاشفي الألغام، والمتاجرة بأرواح الناس هذه المرة، مع عدم التشدد في منع أي أحد من النازحين من العودة إلى المدينة تحت عنوان "على مسؤوليته".

كما أن لا جديد في موقف النظام الأسدي من الرقة، ولا جديد من المعارضات السورية في هذا الخصوص، على الرغم من عدم انشغال المستوى السياسي والعسكري للمعارضات بمسار جنيف الذي أنهاه النظام قبل أن يبدأ، برفضه وثيقة "الرياض 2" جملة وتفصيلاً.

أمام هذا الوضع المسدود الأفق، ليس لدى المدنيين النازحين إلا الاختيار بين البقاء في أماكن نزوحهم، على اختلاف ظروفهم المادية، وهم على أبواب الشتاء، أو العودة "على مسؤوليتهم" إلى ما تبقى من بيوتهم.

ووفقاً للصور الواردة من الرقة، ومعلومات شخصية، فإن نصف بيوت الرقة لم تعد صالحة للسكن بالمطلق، بينما يمكن إعادة تأهيل النصف الثاني بترميمه على الأكثر، وعلى الأقل إعادة تركيب الأبواب والنوافذ التي زالت بسبب عنف الانفجارات في جوار تلك البيوت.

هنا، لا يمكن تقدير أعداد النازحين من الرقة، خاصة بالنظر إلى أن ذلك النزوح تم على دفعات منذ صيف عام 2013. أما الموجة الأخيرة من النزوح فتمت في أشهر الربيع الماضي وشملت 150 ألف نسمة تقريباً.

ولأن نصف مساكن المدينة مدمر، فالمنطقي عودة سكان نصف العدد الآخر، إضافة إلى عدد غير معلوم من النازحين في مدن الداخل السوري، دون المجازفة بالحديث عن أعداد اللاجئين في دول الجوار المستعدين لعودة سريعة إلى المدينة.

وبينما لا توجد إحصائية عن عدد اللاجئين من الرقة في أوروبا، ودول أبعد، فإن التوقعات في عودة سريعة لهم لا تتحدث إلا عن أفراد، مثلهم مثل المنتمين إلى محافظات أخرى، من بين عدد يتجاوز المليون لاجئ سوري هناك.

وفي انتظار العودة، أو اللاعودة، تستمر ألغام داعش في حصاد أرواح متعجلي العودة إلى الرقة، مع مقتل 91 مدنياً في عموم محافظة الرقة منذ بداية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بمساهمة إهمال قسد ومجلس الرقة المحلي، بالإهمال مرة والتواطؤ مرة، مع ما يعنيه ذلك من سقوط أعداد جديدة من المدنيين الذين لا يملكون حقيقة خيار العودة إلى المدينة المدمرة.

لكن حامي الطرفين وعراب تدمير وتحرير الرقة هي أمريكا، التي لاتزال مستمرة في انسحابها من أقل الواجب السياسي والأخلاقي في مقابل ما اقترفته سياسياً وعسكرياً. أما دليل هذا الانسحاب في الرقة، فنجده في مجريات معارك ديرالزور، حيث تتعاون قسد مع الطيران الروسي للسيطرة على منطقة شمال الفرات، في التوقيت نفسه لحماية الطيران الروسي لقوات الأسد في شرق مدينة ديرالزور، وريفها الجنوبي وصولاً إلى الحدود الدولية مع العراق في الشرق.

هذا الوضوح المربك للقدرة العجيبة لقسد في نسج تحالفاتها لا يمكن إعادته إلى ذكاء قسد فقط، بل إلى ذكاء روسيا وأمريكا والنظام الأسدي معاً. وهذا التحالف بين الأذكياء الأربعة أوضح أدلته سنجدها في قتل المدنيين، بل في قتل مزيد من المدنيين الذين اقترب عددهم من 600 في ديرالزور وحدها، خلال الشهر الماضي. كما نجده في الانسحاب الأخلاقي للرباعي القاتل الذي تجاوز عدد ضحاياه خلال الأشهر الستة الماضية عدد الضحايا الذين قتلهم داعش في أكثر من ثلاث سنوات.

الفرق الوحيد بين القاتلين، الرباعي وداعش، هو بين مشهدية القتل الفجائعية عند داعش والـ"شو الإعلامي للقتل"، وبين القتل الصامت، إن كان بالألغام، أو القناصات، أو الموت بالحجم الكبير عبر قصف الطائرات والمدفعية.
T+ T T-