الثلاثاء 21 أغسطس 2018

ترامب سياسة "الخروج من الأشياء"

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (أرشيف)
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (أرشيف)


وضع ترامب نهاية لسلسلة الأخطاء السياسية الفلسطينية منذ مدريد، ووفر فرصة لاصطفاف فلسطيني وعربي جديد يستفيد من "خبرة الأخطاء" السابقة. لن تكون الأمور سهلة ولكنها، دون شك، ستكون واضحة
عندما ظهر "دونالد ترامب" في مؤتمر صحفي ب"مانهاتن" في الأسابيع الأولى لحملته الانتخابية، بدا الأمر برمته، "الرجل الغني" والمؤتمر والحملة، أقرب الى عرض كوميدي مصاحب للسباق نحو البيت الأبيض. لم يؤخذ الرجل على محمل الجد، كان مسلياً ويمنح السباق نكهة شعبية مضافة تحبها النخب السياسية التقليدية في الحزبين المتنافسين.

في ذلك المؤتمر قدم "ترامب" "خطته" لحل الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي، خطة بسيطة، واضحة و"عملية"، تقوم على منح جزيرة "بورتوريكو" كتعويض للفلسطينيين مقابل التنازل عن الضفة الغربية وغزة لإسرائيل، وهو ما أطلق عليه في حينه "حل ترامب".

في تفاصيل "الحل" تقوم الولايات المتحدة، التي سيرأسها، بتمويل "اعادة توطين" اربعة ملايين فلسطيني، هم "سكان" الضفة وغزة في الأرخبيل الكاريبي، وتوفير "الإسكان المجاني"، واعادة تأهيلهم مهنياً وضمان "حياة طبيعية" لهم.

في هذه "الخطة/ الحل" يمكن تبين ثقافة ومعرفة وفهم رئيس الولايات المتحدة المنتخب للصراع في فلسطين، والذي، في أفضل حالاته، ينحصر في أمرين "الحق المطلق" لإسرائيل في فلسطين التاريخية، وهذا يشمل، بالطبع، سيطرة مطلقة على المنطقة، وايجاد سكن ملائم وتأهيل مهني للفلسطينيين. "مكان للعيش" هذا بالضبط مفهوم "ترامب" عن ما نطلق عليه هنا، منذ أجيال، أسماء مثل "الحق التاريخي" و "المشروع الوطني الفلسطيني" و"الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني".

"بورتوريكو" هي الحل السحري لكل شيء، "الخروج من الأشياء" والتخلص من "الأثاث" القديم، الخروج من "اتفاقية المناخ" والخروج من "اليونسكو" والخروج من "اتفاقية الهجرة"...، والذي تحول إلى ما يشبه عملية انحسار متسارعة للدور الأمريكي تتفاقم صعوبة التحكم بها، اذ يمكن هنا إضافة "الخروج" من المنطقة؛ سوريا، لبنان، العراق، ليبيا، و"الخروج" من دور الراعي للمفاوضات الفلسطينية- الاسرائيلية.

شيء يشبه أن الولايات المتحدة تطوي خيمتها وتلم "أغراضها" وتختفي وراء الأطلسي من جديد، والإبقاء على "وكيل" واحد موثوق ليدير مصالحها "هنا"، هو "اسرائيل" بعد مدها بأسباب جديدة للهيمنة، ومنحها بعض صفات "القوة العظمى".

قد يساعد هذا في توضيح، ليس "قراره" باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل فقط، ولكن مجمل "قرارات" لم يتخذها بعد بشأن الإقليم، وهذا يشمل مفهومه ل"التحالفات" و"تطلعات الشعوب" و"العدالة" و"المعاهدات الدولية" و"الاتفاقيات"..، الى آخر قطع الأثاث التي تملأ ردهات المنطقة.

عقلية "المرابي الأبيض" القائمة على "الفوائد"، الذي يواظب على الجلوس في الصف الأمامي للاستماع الى موعظة الأحد في بلدته النائية، التي سينساها تماماً، الموعظة، بمجرد مصافحة الواعظ وخروجه الى فناء الكنيسة، هناك سيعود العالم الى مكوناته الموزعة بين صنفين "زنوج البيت" و"زنوج الحقل".

لعل هذا "التصنيف" هو الذي يكمن وراء مطالبته، الغريبة حد التهريج، للفلسطينيين والعرب بدعم "قراره" باعتبار "مدينتهم المقدسة" عاصمة لإسرائيل، ومواصلة الحديث، في نفس الوقت، عن التزامه بعملية السلام.

ولكن، دون شك، يحسب للرجل أنه انهى بضربة واحدة، تتسم بالحمق، أية أوهام حول الدور الأمريكي في الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي، الدور الذي حافظت عليه الإدارات المتعاقبة على البيت الأبيض منذ عشية مؤتمر مدريد وعلى مدى أكثر من ربع قرن، والذي بلغ ذروته في توقيع اتفاقيات أوسلو في حديقة البيت الأبيض مطلع تسعينيات القرن الماضي.

وقبل ذلك، وهذا أيضاً بالغ الأهمية، وضع نهاية لسلسلة الأخطاء السياسية الفلسطينية منذ مدريد، ووفر فرصة لاصطفاف فلسطيني وعربي جديد يستفيد من "خبرة الأخطاء" السابقة. لن تكون الأمور سهلة ولكنها، دون شك، ستكون واضحة.

لقد اتكأ على الجانب الخاطئ من الطاولة هذه المرة، استند بمرفقه، في حركة خرقاء، ليأخذ هيئة المفكر التي يحبها، فاختل توازن كل شيء.

هناك مقولة لغارسيا ماركيز، ذكرني بها صديق أمس، تبدو ملائمة تماماً:
"باب أمريكا مغلقاً خير منه موارباً".
T+ T T-