السبت 20 يناير 2018

القمة الخليجية وأبوية صباح الأحمد

أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح.(أرشيف)
أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح.(أرشيف)


في قمة الكويت الأخيرة، لم يكن الشيخ صباح الأحمد الصباح يريد مصالحة هشة أو شكلية أو ما يسمى "تبويس اللحى" بل كان يريد مصالحة جذرية وقوية تعيد إنتاج مجلس التعاون الخليجي إنتاجاً جديداً ليضطلع بدوره الأساسي في حفظ أمن الخليج والأمن القومي العربي
خلال هذا الأسبوع تسارعت الأحداث وتحديداً العربية منها بشكل غير مسبوق وفي أكثر من ملف. الحدث المعلن والمعروف كان انعقاد المجلس الأعلى لمجلس التعاون الخليجي في الكويت يومي الخامس والسادس من هذا الشهر، أما الحدث المفاجئ فكان اغتيال الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، فيما كان قرار دونالد ترامب اعتبار القدس عاصمة أبدية لإسرائيل الحدث المجلجل للعالم أجمع.

بطبيعة الحال، عايشت الأحداث الثلاثة، إلا أن وجودي في الكويت لتغطية القمة الخليجية جعلني أقرب لذلك الحدث من الأحداث الأخرى والذي كان من المؤمل أن ينتهي بمصالحة كاملة وشاملة بين الأشقاء الخليجيين، وهي النتيجة التي سعى إليها سمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح الملقب بـ( أمير الإنسانية وقائد إنساني) من قبل الأمم المتحدة، وعمل وعلى مدى الأشهر الماضية وقبلها بسنوات من أجل احتواء الخلاف الخليجي وتسوية الأمور داخل البيت الخليجي، ومنع التصعيد في العلاقة بين الأشقاء، وبحكم معرفتي بشخصية سموه وبحكم عملي كصحفي في الكويت العزيزة وتكليفي بتغطية أخبار وزارة الخارجية التي كان يقودها سموه وقتذاك، فإنه لا يحبذ فرض الحلول على الجهات التي يسعى "لرأب الصدع" بينها، فهو من أصحاب مدرسة دبلوماسية عنوانها الهدوء والمنطق وخلق الحلول من داخل "حالة الخلاف والاختلاف"، وقد لمست ذلك بوضوح من خلال تغطيتي الصحفية لمساعيه لتحقيق المصالحة اللبنانية – اللبنانية عام 1989 حيث دعا سموه وقتذاك لتشكيل لجنة سداسية عربية برئاسته تعمل على إنهاء الحرب الأهلية في لبنان وتحقيق المصالحة الوطنية حيث ضمت في عضويتها بالإضافة للكويت كلاً من الأردن والجزائر والسودان وتونس والإمارات. في تلك التجربة المهمة للغاية والتي مهدت الطريق أمام اتفاق الطائف التاريخي، ظهرت براعة سمو الشيخ صباح الأحمد وحنكته في إدارة الملفات المعقدة والمتشابكة والمتفجرة.

سمو الشيخ صباح الأحمد واحد من بين شخصيات قليلة في العالم العربي تؤمن بالحوار وسيلة أساسية لحل المشكلات السياسية وتُغلب المكاشفة والصراحة والوضوح على المجاملة أو الخيارات "العنفية" أو ردود الفعل غير المدروسة، فقد نجح سموه في اعتماد هذا النهج في تحقيق المصالحة في عدة محطات وملفات ساخنة، وكان أول اختبار له في هذا المضمار عندما شارك في اللقاء الذي نظمته الأحزاب المتنافسة في اليمن الشمالي ( الجمهوريون والملكيون) مع ممثلي مصر والسعودية لوضع حد للحرب الأهلية، وقد تابع هذا الملف عندما استؤنفت الاجتماعات في الكويت في أغسطس(آب) من عام 1966. وعندما تدهورت العلاقة بين اليمن الجنوبي واليمن الشمالي وبدأت الصدامات بينهما في الحدود المشتركة في عام 1972 قام بزيارة إلى الدولتين في أكتوبر (تشرين الأول) 1972 وأثمرت زيارته تلك عن توقيع اتفاقية سلام بينهما واتفاقية أخرى للتبادل التجاري.

وفي عام 1980 قام بوساطة ناجحة بين سلطنة عمان وجمهورية اليمن الديمقراطية أثمرت عن توقيعهما لاتفاقية خاصة بإعلان المبادئ، وهي الاتفاقية التي خففت حدة التوتر بينهما، الأمر الذي مكن الشيخ صباح من دعوة وزيري خارجية الدولتين إلى الكويت في عام 1984 لإعلان انتهاء الحرب الإعلامية واحترام حسن الجوار وإقامة علاقات دبلوماسية بينهما.

في قمة الكويت الأخيرة، لم يكن الشيخ صباح الأحمد الصباح يريد مصالحة هشة أو شكلية أو ما يسمى "تبويس اللحى" بل كان يريد مصالحة جذرية وقوية تعيد إنتاج مجلس التعاون الخليجي إنتاجاً جديداً ليضطلع بدوره الأساسي في حفظ أمن الخليج والأمن القومي العربي، فالشيخ صباح الأحمد هو الأب الروحي لفكرة مجلس التعاون الخليجي والتي تبناها سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح عام 1981 بعد اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية وبكل تأكيد يعز عليه كل العزة أن يرى فكرته الإستراتيجية تصل للحال الذي وصلت إليه.
T+ T T-